من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

العلاقات السامة

منى بغدادي
العلاقات السامة



في العلاقات السامة، لا يكون الألم واضحاً كما نتخيل … لا كدمات تُرى و لا جروح تُلمس لكن شيئاً في الداخل ينكسر بهدوء .

تبدأ الحكاية بمشاعر دافئة واهتمام يشبه الأمان ، ثم يتسلل التغيير تدريجياً ، حتى تجد نفسك عالقاً في علاقة تستنزفك دون أن تدري كيف وصلت إلى هذا الحد .

تتنازل قليلاً ، ثم أكثر ، ثم تعتاد أن تؤجل نفسك من أجل الحفاظ على الآخر … إلى أن يأتي اليوم الذي تكتشف فيه أنك لم تعد كما كنت ، وأنك فقدت جزءاً منك في محاولة البقاء .


وهنا يظهر السؤال الأهم :

ما الذي يجعل علاقة ما “سامة " ؟


العلاقات السامة هي تلك العلاقات التي تستنزفك نفسياً و عاطفياً بدلاً من أن تمنحك الدعم والأمان .

هي علاقة تشعرك بالثقل بدل الراحة و بالشك في نفسك بدل الثقة و بالخوف بدل الطمأنينة .

فيها يختل التوازن فيأخذ طرف أكثر مما يعطي أو يسيطر أو يُقلل أو يتلاعب بمشاعر الآخر ، حتى يصبح البقاء فيها عبئاً لا يُحتمل .


ولا تظهر سُمية هذه العلاقات دائماً بشكل مباشر ، بل قد تتخفى خلف مسميات مثل “الحب” أو “الاهتمام” أو حتى “الخوف عليك” ، مما يجعل اكتشافها أصعب و الخروج منها أكثر تعقيداً .


ومع الوقت ، لا يكون الضرر في المواقف الكبيرة فقط ، بل في التراكمات الصغيرة … كلمة تُقلل منك ، تجاهل لمشاعرك ، ضغط مستمر لتكون شخصاً أخر أو شعور دائم بأنك لست كافياً .


و مع إستمرار هذا النوع من العلاقات ، تبدأ العلامات في الظهور … لكن ليس دائماً بشكل واضح .

بل تكون أحيانا مشاعر متراكمة يصعب تفسيرها أو إحساس داخلي بأن هناك شيئاً ليس على ما يرام .


ومن أبرز علامات العلاقات السامة :

أن تشعر بالذنب كثيراً … حتى دون سبب واضح وكأنك دائمًا المخطئ .

أن يتم التقليل منك أو من مشاعرك سواء بشكل مباشر أو ساخر .

أن تفقد إحساسك بالراحة والأمان و تعيش في حالة توتر دائم .

أن تحاول إرضاء الطرف الأخر على حساب نفسك واحتياجاتك .

أن تشعر أنك تتغير لكن ليس للأفضل … بل تفقد جزءاً من نفسك مع الوقت .


ومع ذلك ، ورغم هذا الألم يبقى السؤال الأكثر تعقيداً : لماذا نستمر في علاقات تؤذينا ؟!

الإجابة ليست بسيطة كما تبدو … فالأمر لا يتعلق بالضعف ، بل بتداخل مشاعر معقدة تجعل الرحيل أصعب من البقاء .

قد يكون الخوف من الوحدة أحد الأسباب أو التعلق العاطفي الذي يجعلنا نتمسك حتى بالألم .

أحياناً نتمسك بالأمل في أن يتغير الطرف الأخر أو نحاول تبرير أفعاله لنحافظ على صورة العلاقة التي نريدها لا التي نعيشها .

وفي أحيان أخرى يكون السبب هو الاعتياد … حيث يصبح الألم مألوفاً لدرجة أننا لا نعود نراه كما يجب .


لكن الحقيقة التي نتجاهلها كثيراً هي أن الإستمرار في هذه العلاقات لا يمر دون ثمن … بل يترك أثراً عميقاً يتسلل إلى النفس بهدوء حتى يُغير الكثير في الداخل دون أن ننتبه .


و العلاقات السامة لا تؤلم فقط … بل تُرهق الروح .

و مع الوقت، تبدأ طاقتك في التآكل و تشعر بإرهاق مستمر حتى دون مجهود واضح .

يتسلل القلق إلى يومك و تصبح أبسط المواقف مصدر توتر .

تفقد ثقتك بنفسك تدريجياً ، و تبدأ في رؤية نفسك بعين الطرف الآخر ، لا بعينك أنت .

وقد تميل إلى العزلة لأنك لم تعد تملك طاقة للتواصل أو التفاعل كما كنت .


الأصعب من ذلك … أنك قد تعتاد هذا الشعور و تظنه طبيعياً .

وهنا تحديداً تأتي اللحظة الفارقة … اللحظة التي يجب أن تسأل فيها نفسك بصدق : متى أقول “كفاية” ؟


حين يصبح الألم هو الشعور الغالب لا الاستثناء …

حين تفقد نفسك وأنت تحاول الحفاظ على العلاقة …حين تشعر أن وجودك مُرهق وأن غيابك قد يكون أكثر راحة … حين تدرك أن ما تقدمه لا يُقَدر ، وأن ما تحصل عليه لا يكفيك نفسياً … في هذه اللحظة … لا يكون الرحيل ضعفاً … بل وعياً .


و الخروج من العلاقات السامة ليس سهلاً … لكنه ممكن .

يبدأ بالإعتراف أن هذه العلاقة تؤذيك دون تبرير أو إنكار .

ثم بوضع حدود واضحة تحميك حتى لو لم يتقبلها الطرف الآخر .

قد تحتاج إلى دعم من شخص تثق به أو حتى مختص يساعدك على رؤية الأمور بوضوح .

و أحياناً - يكون القرار الأصعب هو الأصح - أن تختار نفسك، وتبتعد .


و في النهاية 


العلاقات الصحية لا تُشعِرك بالخوف و لا تجعلك تشك في نفسك و لا تُطفئ نورك من الداخل …

الحب الحقيقي لا يُرهقك بل يُشعِرك بالأمان و يمنحك مساحة لتكون كما أنت .


فلا تتمسك بعلاقة تُفقدك نفسك ، فلا شيء يستحق أن تخسر ذاتك من أجله .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7907
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.