من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الأدب العالمي إشكالية المفهوم

د. محمد عبدالله القواسمة
الأدب العالمي إشكالية المفهوم



يواجه الباحثون والنقاد والمفكرون والأدباء إشكالية في مفهوم الأدب العالمي من حيث نشأته وتعدد تفسيراته، وخصائصه وعلاقته بالأدب القومي، ودور الترجمة والنقل في تقديمه لجمهرة القراء من مختلف دول العالم.

النشأة. 

بدأت فكرة الأدب العالمي في القرن الثامن عشر إذ ورد في دراسة لدانتي عنوانها "حول الملكية" وجود حركة ثقافية عالمية، وتحدث الأدباء والمفكرون والفلاسفة الألمان والفرنسيون عن التجربة الإنسانية المشتركة، كما تردد على لسان شيللر مفهوم "التأريخ العالمي" وقال هيجل بمفهوم "الروح العالمية" 

كان ذلك كله إرهاصًا لأن يستخدم الشاعر الألماني غوته (1749-1832م) مصطلح "الأدب العالمي"، في مجلته "عن الفن والعصور القديمة" عام 1827، فأشار خلال حديث مع صديقه إيكرمان: "أنا مقتنع بأن أدبا عالميا أخذ يتشكل، وأن جميع الأمم تميل إلى هذا... إننا ندخل الآن عصر الأدب العالمي. وعلينا جميعًا الإسهام في تسريع ظهور هذا العصر". 

تأتى قول غوته هذا من اطلاعه على الآداب الشرقية وخصوصًا الأدب الصيني، ومن قراءته العميقة لشعر الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، واهتمامه بالأدب العربي وبخاصة الشعر العربي. لقد أدرك غوته أهمية نشر آداب الشعوب الأخرى، وتقديمها للغرب.

وفي عام 1848م استخدم المصطلح كارل ماركس وفريدريك إنجلز في بيانهما الشيوعي عندما وصفا الإنتاج الأدبي البرجوازي بالطابع العالمي. 

وإذ انطلقت فكرة الأدب العالمي من الشعر فإنها امتدت إلى سائر الأجناس الأدبية الأخرى فصرنا نسمع بالشعر العالمي والرواية العالمية والقصة العالمية والمسرحية العالمية ولعل الرواية الفن المناسب ليكون نموذجًا للأدب العالمي لما تتميز به من مرونة واتساع في المكان والزمن وتقبل الأجناس الكتابية واللغات الإنسانية والحوارات المختلفة والشخصيات الكثيرة ومعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. ومع بداية عصر العولمة في ثمانينيات القرن الماضي، طرحت فكرة الرواية العالمية بقوة، واعترف بعالمية الروائيين من أمثال الروائي العربي نجيب محفوظ والياباني كنزابورو أوي والتركي أورخان ياموق وكلهم نالوا جائزة نوبل.

تفسيرات الأدب العالمي

وتتعدد تفسيرات الأدب العالمي وتعريفاته فلم يتفق الباحثون على تعريف الأدب العالمي ووضعت أربعة تفسيرات له: 

الأول وهو الأدب الذي يشمل ما أنتجته شعوب العالم من آداب قومية بغض النظر عن المستوى الجمالي والفكري. وهذا تقسير غامض وفضفاض ويصعب البحث فيه.

الثاني الأدب الخاص الذي تخطى الحدود الجغرافية والقومية وحمل في طياته رؤى إنسانية شاملة. 

الثالث الأدب الكلاسيكي الأوروبي والمعاصر الذي لا تتمثل فيه أوروبا جغرافيًا فحسب، بل وروحيًا أيضًا. وهذا تفسير لا يقبله العقل وفيه تحقير للآخر.

الرابع، أن الأدب العالمي لا يشمل الأدب الشعبي الغربي (الفلكلور) بوصفه من الآداب الهمجية مع أن كثيرًا من الأدباء صارت أعمالهم الأدبية المستندة إلى التراث الشعبي جزءًا من الأدب العالمي مثل هاينريش هايني الذي انطلق من الأغنية الشعبية الألمانية وأبدع دبوانه "كتاب الأغاني" ليعبر به إلى الأدب العالمي. وكذلك الشاعر الإسكتلندي روبرت بيرنس الذي صاغ الأغاني والقصائد الشعبية ليُدخل اللغة الشعبية إلى الأدب الإنجليزي، ومثله الشاعر الروسي سيرغي يسينين الذي يمثل صوت الفلكلور في الشعر الروسي الحديث. 

لا شك أن هذه التفسيرات قاصرة عن تقديم فهم إنساني عميق وشامل لمفهوم الأدب العالمي لهذا رأينا نفيًا لوجود أدب عالمي بالمفهوم المطلق والشامل. كما عند الروائي الروسي مكسيم غوركي، لعدم وجود لغة مشتركة بين الشعوب، رغم أن جميع الأعمال الأدبية "مشبعة بوحدة المشاعر والأفكار والآراء الإنسانية العامة. وبوحدة الآمال لإمكانية تحقيق حياة أفضل".

الترجمة والنقد

لا شك أن الترجمة إلى اللغات الأوروبية، وبخاصة اللغة الإنجليزية، يقرب الأدب من العالمية، وكذلك. تناول الأعمال الأدبية بالنقد والتعريف بها يساهم في ذلك، فلا أظن أدبا في هذا العالم. في هذا العصر، وصل إلى العالمية من خارج الدائرة الأوروبية، إلا وترجم وقدم عن طريق الترجمة من لغته الأصلية إلى اللغات الأوروبية. لكن هذا لا يعني أن كل من ترجم أدبه إلى تلك اللغات يصل إلى العالمية، فلا بد إلى جانب ذلك، من الاقتراب من القضايا العالمية التي تهم العالم، وتتجاوب مع الفكر الأوروبي، أو تتناقض معه. ومن الجدير بالذكر أن هناك عوامل تؤثر في الاعتراف العالمي بكتّاب دولة دون غيرها حسب انتشار لغتها وإمكاناتها الاقتصادية وثقلها السياسي ونفوذها العسكري وعدد سكانها. 

تأثير الزمن

لا شك أن الزمن عامل مهم في الحكم على عالمية الأدب وبه يرتبط عنصرا الخلود والشهرة للأعمال الأدبية ففي مراحل التاريخ تتغير النظرة إلى الأدب وقيمته فلاحظنا أن بعض الآداب تتراخى عالميتها مع تغير الزمن فهذا الروائي الفرنسي أناتول فرانس، وكذلك الروائي الإنجليزي هربرت جورج ويلز تراجعت عالميتهما، بخلاف أعمال دستويفسكي وتشيخوف وهمنغواي ورأينا شكسبير يحافظ على عالميته إلى الآن، والمعروف أن الألمان ساعدوا على اعتماده العالمي، وكذلك عمر الخيام الذي كان مهملًا، فأصبحت رباعياته من الأدب العالمي بعد ترجمتها إلى الإنجليزية على يد فيتزجيرالد عام 1859م. 

خاتمة

يتبين لنا من مناقشة إشكالية مصطلح الأدب العالمي أن المصطلح يشمل الآداب القومية لجميع شعوب الأرض، وهو يساير طبيعة الأدب، في التعبير عن آمال الشعوب وأحلامها، وواقعها وتراثها، وهو الوسيلة الفاعلة في تعريف الشعوب بعضها ببعض، وتمتين العلاقات بين القوميات المختلفة فالفكر والأدب لا وطن لهما ولا يعترفان بالحدود الجغرافية والفواصل التاريخية فهما ملك الإنسانية. 

ولكن توجد عوامل كثيرة تساعد على أن تجعل من أدب ما عالميا، مثل الترجمة والنقد والقوة المؤسساتية التي تقف إلى جانبه. وهذه العالمية لأي أدب لا تستقر إلى الأبد، فقد تتراجع بسبب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها المجتمعات.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

7928
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.