مرايا متحرّكة
صفاء الأحمد
لماذا نقرأ الروايات؟ وما الذي يجعل وعينا يستثمر ساعات طويلة في حياة لم نَعِشها وعقول لم تولد لنا ومصائر لم تصادفنا؟ هل للخيال قيمة معرفية أم أن ما يجذبنا هو مجرد هروب من فراغنا الداخلي؟
لطالما كنتُ منحازة للمعرفة المباشرة، إلى كتب علم النفس والفلسفة والتنمية البشرية…الخ
تلك المجالات التي تضعنا في إطار واضح، وتفسير نهائي وربما تعطينا إجابة واحدة.
آمنت بأن للخرائط دورها، وأن معرفة الطريق قبل المشي فيه تمنحنا الأمان.
لكنني اكتشفت أخيرًا أن هذا الأمان ليس أكثر من وهم رقيق يغطي فراغًا أعمق لا تقوده خطط ولا تحكمه معادلات.
أما الشعر فكان استثناءً مشروعًا لأنه يستند إلى العاطفة بوصفها جوهرًا إنسانيًا أصيلًا، لا يمكن تجاوزه ولا احتواؤه في كلمات وحدود.
خلال العامين الأخيرين، بدأت قراءة الرواية على مضض، ثم انقلب المضض شيئًا فشيئًا إلى شغف.
أدركت أن ما تقدمه الكتب المعرفية هو خرائط، بينما ما تقدمه الرواية هو الرحلة نفسها.
للخرائط أهميتها، لكنها لن تخبرنا بقسوة الرياح، ولا رطوبة الأمكنة ولا نبرة الخوف التي تتسلل في صوت شخص غريب!
تعرض الرواية الإنسان على حقيقته المتناقضة، ونقاط ضعفه، وتعمل كمرايا متحركة تبدّل الصورة وتكشف كيف يمكن للإنسان أن يكون شريرًا وبريئًا في آن، وأن يتوه في ذاته قبل أن يُضل الآخرين، وأن يعيش انهياره بصمت كامل ينعكس على تصرفاته.
توسع الرواية أفق التعاطف وتهز يقيننا الأخلاقي، وتدربنا على التماهي بصمت؛ حيث نصير شهودًا داخليين متورطين في حياة الآخرين، نشارك صدماتهم وأفراحهم، ونفهم خياراتهم قبل أن نحكم عليها.
لن تبحث عن إجابات جاهزة بعد قراءة الرواية، ستعيش السؤال نفسه، وتختبر نوعًا من أنواع الحقيقة الذي لن تعرفه إلا بالانغماس في صخب الشخصيات وانهياراتها الصغيرة، حتى يصل الوعي إلى الداخل دون أن تلاحظ ساعة تشكله.
نقرأ الروايات لنواجه أنفسنا في أقصى حالات الوعي، ونختبر حدود التعاطف ونتذكر أن الإنسان تجربة، ولو عبر كلمات وخيالات شخص آخر.
#نقاش

التعليقات
أضف تعليقك