أركان مضيئة: جينوم المصريين
طوال سنوات حياتي في لندن، كانت استمارات الهوية الرسمية تضعني في مأزق وجودي يتجاوز مجرد البيروقراطية؛ فحين أقف أمام تصنيفات عرقية جاهزة مثل "عربي" أو "شمال إفريقي" أو "آسيوي"، كنت أشعر باغتراب حاد عن هذه القوالب التي تختزل خصوصيتنا التاريخية؛ إذ كنت أدرك يقيناً أننا في مصر نمثل كينونة حضارية وبيولوجية عصية على التصنيف التقليدي، وهو ما دفعني دوماً لاختيار خانة "أخرى" وتذييلها بكلمة "مصري". هذا التمسك بالهوية لم يكن مجرد انحياز عاطفي، وإنما كان بحثاً عن حقيقة غائبة لم أستطع توثيقها بالورق والدليل المادي، حتى جاءت لحظة حضوري لـ **"سمنار دراسات الهوية وحفظ التراث"** لأشاهد عرض أبحاث **الأستاذ الدكتور طارق طه محمد علي وفريقه البحثي** بمركز البحوث الطبية والطب التجديدي (ECRRM) التابع للقوات المسلحة، فكانت تلك اللحظة هي الفصل الحاسم الذي نقل قضية الهوية من حيز الشعور والاعتزاز القومي إلى فضاء اليقين العلمي المختبري، حيث قدم الدكتور طارق وفريقه إجابات قاطعة فككت أسئلتي الوجودية من خلال لغة الأرقام والجينات، وبرهنت على أن انتمائي لم يكن مجرد وهم عاطفي، بيد أنه حقيقة بيولوجية متجذرة في التاريخ.
في هذا المقال الافتتاحي من سلسلة "أركان مضيئة"، أستعرض قراءة تحليلية معمقة لهذه الأبحاث التي تمثل رداً استراتيجياً على كافة الادعاءات التي حاولت تقسيم النسيج المصري؛ فعلى النقيض من السرديات التي حاولت تصوير المجتمع المصري ككتل عرقية متنافرة بناءً على الدين، أثبتت دراسة الدكتور طارق وفريقه المنشورة في عام 2020 تحت عنوان "Allele Frequency Comparative Study Between the Two Main Egyptian Ethnic Groups" أن النسيج المصري واحد لا يتجزأ. لقد اعتمدت هذه الدراسة على منهجية صارمة بفحص 200 عينة (100 مسلم و100 مسيحي) لأفراد مصريين لأبوين وجدين مصريين، واستخدمت تقنية تحليل "التكرارات القصيرة المتتابعة" (STRs) الأوتوسومية لمواقع وراثية محددة مثل D3S1358 وvWA وFGA وTH01 وغيرها. وقد أظهرت النتائج أن كلا المجموعتين تتبعان قانون "هاردي-واينبرغ" للتوازن الجيني، مما يشير إلى استقرار وراثي وتجانس سكاني عبر الأجيال، حيث وصلت نسبة التقارب الجيني بينهما إلى 97.5%. هذا الرقم يمثل تفنيداً علمياً كاملاً ليس فقط لادعاء "الإزاحة السكانية" التي وصمت المسلمين بأنهم وافدون غزاة، وإنما يضرب في مقتل أيضاً تلك الفرضيات التي روجت بأن مسيحيي مصر هم بقايا جالية رومانية أو بيزنطية استوطنت البلاد؛ إذ لو كان المسيحيون المصريون من أصول رومانية لظهر تباين شاسع في ترددات الأليلات (Allele Frequencies) بمقارنتهم مع المجموعات المتوسطية الأخرى، إلا أن التطابق الإحصائي المذهل يؤكد أنهم ومسلمي مصر ينحدرون من ذات "الأجداد المشتركين" الذين صهرهم وادي النيل في بوتقة وراثية فريدة لم تتأثر بالمتغيرات السياسية أو موجات الاستعمار العابرة.
ويتجاوز الأمر مجرد الوحدة الداخلية ليصل إلى إثبات الاستمرارية التاريخية مع الدولة القديمة بمستويات تدقيق غير مسبوقة، وهو الرد الأقوى على حملات "الأفروسنتريك" وتزييف التاريخ؛ فحين تشير البيانات المستخلصة من مقارنة جينات المصريين المعاصرين مع مومياوات الأسرة الثامنة عشرة، وخاصة أسرة الملك توت عنخ آمون، إلى أن ما يقرب من 87.6% إلى 88.6% من هذه الشفرة الوراثية لا تزال نابضة في دماء المصريين اليوم، فإننا نكون أمام دليل مادي لا يقبل التأويل على أننا الوريث الشرعي والبيولوجي الوحيد لهذه الحضارة. هذه الحقيقة تدحض تماماً المزاعم التي تحاول نسب الحضارة المصرية لشعوب غرب إفريقيا، إذ أثبت تحليل السلالات الجينية (Haplogroups) أن السلالة الأصلية لشمال إفريقيا وحوض النيل E1b1b (M78) تمثل الأغلبية الساحقة لدى المصريين بنسب تتراوح بين 45% و65%، في حين تظهر سلالات أخرى مثل J وR1b بنسب تعكس التداخل التاريخي الطبيعي مع شرق المتوسط وأوراسيا، مؤكدة أن المكون الجيني المصري ظل متميزاً ومرتبطاً بجغرافيا المكان منذ فجر التاريخ. وتتعزز هذه النتائج بما نشرته مجلة "Nature" في دراسة "شونيمان" (2017) التي أكدت ثبات ملف الميتوكوندريا (mtDNA) عبر العصور، معتبرة أن الزيادة الطفيفة في المكون الأفريقي جنوب الصحراء لدى المعاصرين هي نتيجة طبيعية لحركة التجارة المتأخرة لا تغيّر من الهيكل الجيني الأساسي المرتبط بالشرق الأدنى.
علاوة على ذلك، تبرز قيمة هذه الأبحاث في كونها استندت إلى قاعدة بيانات ضخمة لم تكتفِ بالدراسات النوعية، بل شملت مسحاً شاملاً لـ 1000 عينة عشوائية تم تجميع بياناتها بين عامي 2008 و2015 من كافة محافظات الجمهورية، لضمان تمثيل التنوع الجغرافي من سكان الدلتا والصعيد إلى المدن الساحلية والواحات. كشفت مقارنة هذا الجينوم المصري مع أكثر من ستين دولة عن حقيقة مذهلة؛ وهي أن الإنسان المصري يحمل أعلى درجة تقارب مع "المتوسط الجيني العالمي" (GGP) بنسبة تتجاوز 96.7% عبر 15 كروموسوماً. إن الانتقال من مرحلة "الفخر بالعاطفة" إلى مرحلة "الإثبات بالبيانات" هو ما جعل مشروع الجينوم المرجعي للمصريين، الذي يقوده الدكتور طارق طه وفريقه ويستهدف رسم خريطة لـ 100 ألف مواطن، ضرورة وجودية وأمناً قومياً؛ فهو الذي يؤسس لطب شخصي دقيق يعالج المصريين بناءً على شفرتهم الخاصة، وهو الذي يعيد صياغة وعينا بذاتنا أمام العالم كأمة لا تملك تاريخاً عظيماً فحسب، بل تحمل شفرة هذه العظمة في كل قطرة من دماء أبنائها. لقد استطاع الدكتور طارق طه وفريقه أن يمنحونا الوثيقة التي كنت أبحث عنها في استمارات لندن؛ وثيقة تثبت أننا "المصريون" بكل ما تحمله الكلمة من تفرد واستمرارية وعمق تاريخي.
### مراجع ومصادر علمية للاطلاع:
* **دراسة المقارنة الجينية (2020):**
* *Allele Frequency Comparative Study Between the Two Main Egyptian Ethnic Groups*
* رابط البحث (PubMed): https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/32337039/
* **دراسة مومياوات "أبو صير الملق" (مجلة Nature):**
* *Ancient Egyptian mummy genomes suggest an increase of Sub-Saharan African ancestry in post-Roman periods*
* رابط البحث: https://www.nature.com/articles/ncomms15694
* **مشروع الجينوم المرجعي للمصريين:**
* الموقع الرسمي لمركز البحوث الطبية والطب التجديدي (ECRRM): https://ecrrm.edu.eg/
* **الملف البحثي للدكتور طارق طه (ResearchGate):**
* للاطلاع على كافة الأبحاث المنشورة للفريق: https://www.researchgate.net/profile/Tarek-Taha-14
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك