فاقد الشيء يعطيه
نشأنا وترعرعنا على مقولة " فاقد الشيء لا يعطيه "…
رددناها كثيراً حتى أصبحت كأنها حقيقة لا تقبل النقاش و كأنها قانون من قوانين الحياة .
لكن … هل توقفنا يوماً لنسأل : هل هذا صحيح في كل الأحوال ؟
الحياة بتجاربها و مواقفها جاءت لتقول شيئاً مختلفاً .
جاءت لتثبت أن فاقد الشيء ليس دائماً عاجزاً عن منحه… بل أحياناً يكون هو الأكثر قدرة على إعطائه .
فاقد الشيء لا يعطيه لأنه يملكه ، بل لأنه حُرم منه و اشتاق إليه طويلاً … وتمنى لو وجده في أصعب لحظاته .
الشخص الذي نشأ دون احتواء ، قد تجده الأكثر حرصاً على احتواء من حوله ، يمنحهم ما كان يتمناه لنفسه و يعطيهم دفئاً افتقده يوماً .
ومن ذاق القسوة ، غالباً ما يختار أن يكون رحيماً ،
لا لأنه لم يتأذ … بل لأنه تألم بما يكفي ليعرف كيف يمكن للكلمة أو الفعل أن يجرح .
ومن افتقد الأمان ، تجده يسعى بكل طاقته ليكون مصدر أمان لغيره ، كأنه يعوض في الآخرين ما لم يجده لنفسه .
كأن الفقد لا يخلق فراغاً فقط … بل يخلق وعياً .
وعي بقيمة ما نفتقد ، و إحساسُُ مرهفُُ تجاه كل من يمر بنفس التجربة .
فاقد الشيء … يرى التفاصيل التي لا يراها غيره . يشعر بالاحتياج قبل أن يُقال ، و يفهم الألم حتى وإن لم يُعبَر عنه بالكلمات .
لكن و رغم كل هذا الجمال في العطاء … هناك جانب آخر يجب أن نتوقف عنده ... فاقد الشيء قد يعطي …نعم ، لكن أحياناً يعطي أكثر مما يحتمل ، يعطي لدرجة الاستنزاف لأنه لا يريد لأحد أن يعيش ما عاشه .
وهنا تكمن الخطورة … أن يتحول العطاء من اختيار واعٍ إلى محاولة مستمرة لتعويض جرح قديم .
أن ينسى الإنسان نفسه و هو يحاول أن يكون كل شيء للآخرين .
الحقيقة الأهم … أن فاقد الشيء يستطيع أن يعطيه لكن بشرط ألا ينسى أن يمنحه لنفسه أولاً .
أن يتعلم كيف يحتوي ذاته و يمنحها ما تستحق من حب واهتمام وأمان قبل أن يبحث عن دور المنقذ في حياة الآخرين . لأن العطاء الحقيقي لا يأتي من فراغ ،
بل من نفسٍ تعلمت أن تداوي ذاتها ، ثم قررت أن تكون نوراً لغيرها … دون أن تنطفئ .
وفي النهاية … ليس كل من فقد شيئاً عجز عن منحه … بل أحياناً يكون هو الأصدق في عطائه و الأعمق في فهمه و الأكثر حرصاً على ألا يتكرر الألم .
فاقد الشيء لا يعطيه لأنه يملكه،بل لأنه يعرف وجعه جيداً .
لكن تذكر دائماً… لا تجعل عطاءك وسيلة للهروب من جراحك و لا تعوض الآخرين على حساب نفسك .
إمنح … و لكن بوعي ، أحب دون أن تهمل ذاتك . وكن كما تمنيت دائماً أن يكون لك أحد … لكن لنفسك أولاً .
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك