من طهران إلى بيروت: كيف يصنع التناقض الإسرائيلي قوة إيران وحزب الله
مقدمة
منذ اجتياح "الليطاني" عام 1978، يعيد التاريخ نفسه في جنوب لبنان. فكل تدخل عسكري إسرائيلي، كان هدفه المعلن القضاء على التهديد، ينتهي إلى إنتاج تهديد أكبر. وفي كل مرة تنسحب فيها الدبابات الإسرائيلية، يخرج "حزب الله" أكثر قوة وأوسع نفوذاً. واليوم، بينما تغادر القوات الإسرائيلية إلى "منطقة عازلة" جديدة في جنوب لبنان، وتجلس إيران وأمريكا وإسرائيل في مفاوضات غير مباشرة لوقف إطلاق النار، يظل السؤال قائماً: لماذا يفشل الجيش الأقوى في المنطقة في تحقيق نصر حاسم؟ ولماذا تخرج إيران وحزب الله أقوى من كل مواجهة؟
لا يكمن الجواب في المعادلات العسكرية وحدها، بل في أخطاء استراتيجية وسياسية مركبة تراكمت على مدى عقود. فإسرائيل تقاتل كياناً عسكرياً، لكنها تصنع فكرة سياسية. وهي تظن أنها تدمر بنى تحتية، بينما تنتج في الحقيقة شرعية لمقاومة لا تنضب. وهذا التناقض المركزي هو ما يحكم الصراع في الشرق الأوسط منذ نصف قرن، ويفسر استمرار دورات العنف وتجددها رغم التفوق العسكري الساحق للقوى التقليدية.
العلاقة السببية بين الاحتلال الإسرائيلي وولادة حزب الله
في عام 1982، اعتقدت إسرائيل أنها أنهت الملف اللبناني باقتحام بيروت وطرد ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية. لكن الاجتياح نفسه، والدمار الهائل الذي خلفه، والاحتلال الذي تلاه، هيأت بيئة مواتية لظهور كيان جديد. ففي ذلك العام نفسه، وبدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، تأسس "حزب الله". ولم تكن طهران بحاجة إلى بناء الحزب من الصفر، بل وجهت الغضب اللبناني المتولد عن القصف الإسرائيلي نحو أهدافها الاستراتيجية. وهنا تكمن المفارقة: فالهجوم الإسرائيلي الذي كان يهدف إلى تثبيت أمن حدوده الشمالية، خلق الظروف الموضوعية لظهور تهديد أكبر وأكثر تنظيماً وأعمق ارتباطاً بإيران.
وتتمثل الآلية الأساسية التي فشلت إسرائيل في استيعابها طوال العقود الأربعة التالية في أن كل قنبلة تسقط على جنوب لبنان، وكل منزل يُدمّر، وكل مدني يُقتل، يتحول إلى رأسمال رمزي للحزب الجديد. ففي مجتمع مزقته الحرب الأهلية، وفي غياب دولة لبنانية قادرة على حماية مواطنيها أو تقديم الخدمات الأساسية لهم، جاء الحزب ليملأ الفراغ الهائل. فهو يقدم الأمن، ويقدم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية، ويقدم الأهم من ذلك كله: معنى للمعاناة وإطاراً تفسيرياً يشرح لماذا يُقتل الناس ولماذا يجب أن يقاوموا. وهنا يتجلى الدور الإيراني بوصفه راعياً استراتيجياً، إذ إن إيران لم تخلق المقاومة من العدم، بل وظفت سياقاً قائماً واستغلت أخطاء العدو لتجنيد مقاتلين وترسيخ عقيدة قتالية وسياسية متكاملة.
بين عامي 1982 و2000، ظل الاحتلال الإسرائيلي قائماً في "الشريط الأمني" بجنوب لبنان، وهو شريط من الأراضي كان يسيطر عليه جيش لبنان الجنوبي العميل لإسرائيل. وكانت تلك السنوات الطويلة من الاحتلال المباشر أرضاً خصبة لتجربة حزب الله وتطوير قدراته. فكل يوم كان يمنح الحزب سبباً جديداً للقتال، وكل جندي إسرائيلي يموت كان يتحول إلى دليل ملموس على أن المقاومة ممكنة وأن الاحتلال ليس قدراً محتوماً. وعندما انسحبت إسرائيل أحادياً في مايو 2000 تحت وطأة الخسائر المتصاعدة والضغط الداخلي، لم تكن تنسحب من أراض محتلة فحسب، بل كانت تمنح حزب الله أكبر مكسب سياسي في تاريخه: النصر. فجأة، صار الحزب هو من "حرر الجنوب" بعد أن عجزت كل القوى اللبنانية الأخرى عن ذلك، وأصبح سلاحه هو السلاح الشرعي الوحيد في لبنان، بل أصبح النموذج الذي يحتذى به في مواجهة إسرائيل.
حرب 2006 وتحول مفهوم النصر في الصراعات غير المتماثلة
شكلت حرب يوليو 2006 الفصل الأكثر دلالة في هذه المعادلة، وما زالت تُدرس في الأكاديميات العسكرية كنموذج لكيفية خسارة الحرب رغم التفوق في المعركة. فقد شنت إسرائيل حرباً هدفها المعلن "تدمير حزب الله" نهائياً، واعتمدت على قوتها الجوية المتفوقة وقدراتها الاستخباراتية لتحقيق نصر سريع وحاسم. لكن الواقع كان مختلفاً. فبعد 33 يوماً من القصف العنيف الذي دمّر البنية التحتية اللبنانية وأودى بحياة أكثر من 1200 لبناني، معظمهم من المدنيين، وتهجير نحو مليون شخص، انسحب الجيش الإسرائيلي دون أن يحقق أياً من أهدافه المعلنة. فلم يتم استعادة الجنديين المختطفين الذين كانت العملية ذريعة للحرب، ولم يتم نزع سلاح الحزب، ولم يتم دفعه إلى شمال الليطاني، بل خرج الحزب من الحرب أكثر خبرة وأكثر ثقة.
هنا تجلى المنطق الاستراتيجي الإيراني في إدارة الصراع بالوكالة. فإيران لم تحتج إلى أن ينتصر حزب الله عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل اكتفت بأن لا يهزم. ففي سياق الصراع غير المتماثل، حيث الموازين العسكرية ليست متكافئة أبداً، وفي ثقافة "المقاومة" التي تغذيها إيران وتروج لها، يشكل البقاء بعد عدوان واسع انتصاراً بحد ذاته. فخرج حسن نصر الله ليعلن "النصر الإلهي"، ليس لأنه دمّر الجيش الإسرائيلي - وهذا لم يحدث - بل لأنه بقي صامداً، ولأن إسرائيل هي التي انسحبت وليس هو من استسلم. وهذه المعادلة هي جوهر ما تفشل إسرائيل في استيعابه حتى اليوم: القوة العسكرية وحدها لا تترجم إلى ردع ما لم تصاحبها رواية سياسية مقنعة، وما لم تترجم إلى مكاسب على الأرض تدركها الجماهير.
والأهم من ذلك أن حرب 2006 غيرت بنية الصراع في الشرق الأوسط بشكل عميق. فلأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، أثبتت جماعة غير حكومية قدرتها على فرض معادلة ردع جديدة على دولة إقليمية عظمى تمتلك أحد أقوى الجيوش في العالم. فلم يعد الردع حكراً على الدول، وأصبحت الجماعات المسلحة قادرة على تحديد قواعد الاشتباك وفرض تكاليف باهظة على أي عدوان. وأصبحت القدرة على الصمود وإلحاق خسائر معنوية وسياسية بالعدو، حتى لو كانت الخسائر المادية فادحة، مقياساً جديداً للقوة في المنطقة. وهذا النموذج، الذي تبنته لاحقاً حركة "حماس" في غزة وطورته بما يناسب بيئتها، غيّر قواعد الاشتباك في كل جبهات الصراع مع إسرائيل.
تطور دور الفواعل غير الحكومية من التبعية إلى المشاركة في القرار
لم يعد ممكناً اليوم التعامل مع "حزب الله" أو "الحوثيين" أو فصائل المقاومة العراقية كمجرد "وكلاء" لإيران بالمعنى التقليدي الذي يفترض علاقة هرمية أحادية الاتجاه. فما شهدناه في السنوات الأخيرة يشير إلى تحول جوهري في طبيعة هذه العلاقة، حيث صارت هذه الفواعل شركاء في رسم الاستراتيجية الإقليمية وتنفيذها، وليس مجرد منفذين للتوجيهات الصادرة من طهران.
يتجلى هذا التحول أولاً في قدرة هذه الجماعات على فتح جبهات مستقلة دون انتظار تعليمات. ففي أعقاب التصعيد في غزة، تحركت هذه الجماعات بشكل متزامن ومتناسق دون حاجة إلى توجيهات لحظية من طهران. فقد بادر "حزب الله" إلى إطلاق الصواريخ على شمال إسرائيل، وبادر الحوثيون إلى استهداف الملاحة في البحر الأحمر مما أثر على حركة التجارة العالمية، وبادرت الفصائل العراقية إلى استهداف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا. وهذا يشير إلى درجة عالية من الاستقلالية التكتيكية والتنسيق الأفقي بين هذه الجماعات، حتى مع بقاء الولاءات الاستراتيجية العامة لإيران كمرجعية عليا. وهذا التحول يعني أن إيران لم تعد تحتاج إلى إصدار أوامر مباشرة في كل مرة، بل خلقت بيئة استراتيجية تتقارب فيها مصالح هذه الجماعات وتتقاطع، فتعمل بشكل شبه تلقائي في نفس الاتجاه عندما تتغير الظروف الإقليمية.
والأكثر أهمية أن هذه الجماعات تحولت إلى مصدر للقوة الإيرانية لا عبئاً عليها كما هو الحال في النماذج الكلاسيكية للوكالة. ففي النماذج التقليدية، يكون الوكيل مستهلكاً للموارد من مال وسلاح وتدريب دون أن يقدم قيمة مضافة كبيرة. لكن في النموذج الإيراني، أصبحت هذه الجماعات منتجة للقوة بمعنى حقيقي. فهي تمنح إيران عمقاً استراتيجياً يمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط، وتوسع دائرة نفوذها دون أن تحتاج إلى نشر قواتها النظامية، وترفع تكلفة أي عدوان عليها بشكل هائل. فعندما يهدد رئيس أمريكي بـ"محو الحضارة الإيرانية"، تدرك القيادة في طهران أن أي هجوم عليها سيواجه ردوداً فورية ومتزامنة من لبنان واليمن والعراق وسوريا، مما يخلق معادلة ردع معقدة. وهذا ما يمكن تسميته "الردع المركب"، وهو تطور جديد في تاريخ الصراعات غير المتماثلة.
كما تحولت هذه الجماعات إلى فواعل تفاوضية غير مباشرة تمتلك حق النقض الفعلي على أي تسوية. ففي مفاوضات وقف إطلاق النار التي تجري بين أمريكا وإيران وإسرائيل عام 2026، كان بند "وقف الحرب على كل جبهات محور المقاومة" حاضراً بقوة في النقاشات. وهذا يعني أن طهران تتفاوض الآن ليس فقط باسم نفسها، بل باسم شبكة كاملة من الحلفاء المنتشرين في أربع دول عربية على الأقل. وهؤلاء الحلفاء يملكون القدرة على تعطيل أي اتفاق لا يراعي مصالحهم، ببساطة عن طريق مواصلة العمليات العسكرية رغماً عن إيران. وبالتالي، لم تعد إيران وحدها هي الطرف المقابل لأمريكا وإسرائيل في هذه المفاوضات، بل تحالفت شبكة كاملة من الفواعل غير الحكومية التي أصبحت لاعباً مستقلاً في السياسة الإقليمية.
وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران وإسرائيل: الغموض كاستراتيجية
في أبريل 2026، برزت جهود دبلوماسية مكثفة بوساطة باكستانية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع تورط إسرائيلي غير مباشر في المفاوضات. لكن الإعلان عن أي اتفاق محتمل يكتنفه الغموض من حيث التوقيت والشروط وآليات التنفيذ. وهذا الغموض ليس فشلاً دبلوماسياً أو نتيجة لعدم دقة الصياغة، بل يعكس تعقيدات الموقف وتضارب مصالح الأطراف الثلاثة.
بالنسبة لإيران، يشكل الغموض أداة تفاوضية محسوبة لتحقيق أهداف متعددة في وقت واحد. فمن خلال خلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي، تظل إيران قادرة على الاستمرار في عملياتها العسكرية عبر حلفائها دون أن تتهم رسمياً بانتهاك أي اتفاق. فطالما أن التوقيت غير محدد والشروط غير واضحة تماماً، يمكن القول إن الوقف لم يبدأ فعلاً بعد، أو أن هناك شروطاً معلقة لم تتحقق. وفي الوقت نفسه، تظل أمريكا ملزمة بوقف هجماتها المباشرة على إيران خشية انهيار المفاوضات، بينما تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتنسيق مع واشنطن رغم رغبتها في مواصلة الضربات.
كما أن الغموض يسمح لإيران بفرض ربط الجبهات الذي تعتبره أساسياً لاستراتيجيتها. فبينما تسعى أمريكا وإسرائيل إلى فصل الجبهات، أي استمرار القتال في لبنان ضد حزب الله مع وقفه في الخليج ضد إيران، تصر إيران على الربط الكامل: لا تهدئة في أي مكان دون تهدئة في كل مكان. والغموض حول سريان أي اتفاق يمكن إيران من مواصلة الضغط لتحقيق هذا الربط، عبر استمرار عمليات حلفائها رغم الحديث عن هدنة، مما يجعل من المستحيل على أمريكا أن تعلن نجاح التهدئة في جبهة دون الأخرى.
أما إسرائيل، فموقفها أكثر تعقيداً. فمن جهة، هي مضطرة إلى أخذ التحركات الأمريكية بعين الاعتبار، خاصة مع رغبة الإدارة الأمريكية في خفض التصعيد. ومن جهة أخرى، تدرك القيادة الإسرائيلية أن أي وقف لإطلاق النار دون تفكيك القدرات العسكرية لحزب الله سيترك التهديد قائماً، بل قد يمنح الحزب فرصة لإعادة التموضع والتسلح. ولهذا تسعى إسرائيل إلى استثناء الجبهة اللبنانية من أي اتفاق، أو فرض شروط تضمن بقاء "منطقة عازلة" تحت سيطرتها. غير أن إيران ترفض ذلك بشدة، مما يخلق جموداً تفاوضياً قد يطيل أمد الحرب.
أما الولايات المتحدة، فترغب في تهدئة شاملة تخفف الضغط على قواتها في المنطقة، وتخفض أسعار النفط، وتحرر يديها للتركيز على مناطق أخرى من العالم. غير أن واشنطن تواجه صعوبة في التوفيق بين رغبتها في التهدئة وضماناتها لإسرائيل، وبين تعقيد التعامل مع إيران وحلفائها المنتشرين على جبهات متعددة. وهذا ما يفسر الغموض الذي يكتنف الموقف الأمريكي، حيث تصدر تصريحات متضاربة بين الحين والآخر حول شمول أي اتفاق للبنان أو استثنائه.
وهناك هدف آخر يتمثل في اختبار جدية الأطراف المختلفة. فمن خلال ترك التفاصيل غامضة، تختبر كل جهة مدى تحمل الأخرى للضغوط الداخلية والخارجية. فإيران تختبر إلى أي مدى يمكن للرئيس الأمريكي أن يتحمل ضغوط إسرائيل لمواصلة الحرب، وإسرائيل تختبر حدود الالتزام الأمريكي بضماناتها الأمنية، وأمريكا تختبر مدى جدية إيران في الالتزام بأي اتفاق يتم التوصل إليه. وكل يوم يمضي دون اتفاق واضح، تزداد الفجوات بين الأطراف، مما قد يؤدي إما إلى انهيار المفاوضات أو إلى قبول الجميع بتسوية أقل مما كانوا يطمحون إليه.
إعادة تشكيل مسرح الصراع الإقليمي وفق نموذج الميدان الواحد
لم يعد الصراع الحالي مجرد حرب حدودية بين إسرائيل وحزب الله، ولا حتى مواجهة ثنائية بين أمريكا وإيران، بل أصبح صراعاً إقليمياً متعدد الساحات مترابطاً بشكل وثيق. وقد أعادت إيران تشكيل هذا الصراع وفق نموذج يمكن تسميته "الميدان الواحد" أو "وحدة الساحات"، وهو نموذج يختلف جذرياً عن النماذج التقليدية لإدارة الصراع.
ففي هذا النموذج، لم تعد أي جبهة منعزلة عن الأخرى أو مستقلة في ديناميكياتها. فالهجوم على حزب الله في لبنان يقابله تلقائياً هجوم حوثي على الملاحة في البحر الأحمر، وهجوم لفصائل عراقية على القواعد الأمريكية، وهجوم إيراني مباشر على إسرائيل بالصواريخ والمسيرات. وهذا الربط الأفقي بين الجبهات يجعل أي عدوان على أي طرف من أطراف "المحور" مكلفاً على جميع الجبهات في وقت واحد، مما يرفع تكلفة العدوان بشكل كبير ويعقد حسابات الخصوم، ويدفعهم إلى التفكير مرات عديدة قبل المبادرة إلى أي عمل عسكري واسع.
وهناك لامركزية في القيادة مع مركزية في الهدف. فلكل جماعة استقلاليتها التكتيكية الكبيرة، ولكل منها أسلوبها في القتال وأولوياتها المحلية، لكنها تشترك جميعها في الهدف الاستراتيجي نفسه الذي ترعاه إيران: إرهاق إسرائيل وأمريكا، ورفع تكلفة وجودهما العسكري والسياسي في المنطقة، ومنعهما من تحقيق أي نصر حاسم على أي من جبهات المحور. وهذه المعادلة تجعل من المستحيل تقريباً تحقيق نصر عسكري بالمعنى التقليدي لأي من الخصوم، لأن النصر على جبهة واحدة لا يعني شيئاً إذا استمر القتال على الجبهات الأخرى، وإذا كان العدو قادراً على فتح جبهات جديدة في أي وقت.
كما تستغل إيران الفجوات الاستراتيجية بين الخصوم. فمن خلال التمايز في ردود الفعل وأساليب القتال - إذ تتفاوض إيران رسمياً بينما يقاتل حزب الله على الأرض ويهدد الحوثيون الملاحة الدولية - تخلق إيران فجوات في التنسيق بين أمريكا وإسرائيل ودول الخليج. فبينما ترغب أمريكا في تهدئة شاملة تخفف الضغط على قواتها وتخفض أسعار النفط، ترغب إسرائيل في مواصلة الضرب في لبنان لاستعادة الردع، بينما ترغب دول الخليج في تأمين ملاحتها واستقرار أسواقها أولاً قبل أي شيء آخر. وتستغل إيران هذه الفجوات للتفاوض مع كل طرف على حدة، مقدمة تنازلات جزئية لكل طرف مقابل مكاسب أكبر.
وأخيراً، تحول إيران الزمن إلى سلاح استراتيجي. فهي تدرك تمام الإدراك أنها لا تستطيع هزيمة أمريكا عسكرياً في مواجهة مباشرة، ولا حتى مجاراتها في سباق التسلح. لكنها تستطيع استنزافها. فحروب المقاومة الطويلة الأمد، التي تمتد لسنوات وعقود، تستنزف الخزائن الأمريكية بمليارات الدولارات يومياً، وتُرهق الرأي العام الأمريكي الذي يتعب من حروب الشرق الأوسط، وتُضعف الإرادة السياسية للإدارات المتعاقبة. وفي المقابل، تعتبر إيران والجماعات التابعة لها الوقت أداة فاعلة في صالحها، فهي لا تنتظر نصراً سريعاً ولا تخوض حرباً خاطفة، بل تبني قوتها ببطء وصبر، وتتمدد في الفراغات التي تخلفها الانسحابات الأمريكية والإسرائيلية المتتالية، وتستثمر في الأجيال القادمة بينما يستهلك الخصم قوته في الحاضر.
آليات تأثير الفواعل غير الحكومية في مسار الصراع
تقدم تجربة "حزب الله" على مدى أربعة عقود نموذجاً متكاملاً لدور الفواعل غير الحكومية في العلاقات الدولية والصراعات غير المتماثلة. يقوم هذا النموذج على ثلاث آليات رئيسية مترابطة، يمكن فهمها كدورة متكاملة تعيد إنتاج نفسها.
الآلية الأولى: قدرة الفاعل غير الحكومي على إنتاج الردع. فخلافاً للنماذج الكلاسيكية في العلاقات الدولية التي تحصر الردع بالدول ذات السيادة والجيوش النظامية، أظهر "حزب الله" بشكل قاطع أن جماعة مسلحة غير حكومية يمكنها فرض معادلة ردع معقدة على دولة إقليمية عظمى تمتلك أسلحة متطورة وتكنولوجيا عسكرية متقدمة. وهذا الردع غير التقليدي لا يقوم على التكافؤ العسكري، لأنه من غير المتصور أن يمتلك حزب الله دبابات أو طائرات أو قدرات نووية، بل يقوم على قدرة الجماعة على إلحاق خسائر غير متناسبة مع حجمها، وعلى استمراريتها في القتال رغم الخسائر الفادحة في القيادة والعتاد. فعندما تدرك إسرائيل، عبر تجارب 2006 و2024 و2026، أن أي حرب جديدة مع حزب الله ستكلفها مئات القتلى وآلاف الصواريخ على مدنها، وأن الحرب لن تنتهي بنصر حاسم، فإنها تتردد في خوض هذه الحرب أو توسيعها.
الآلية الثانية: قدرة الفاعل غير الحكومي على تحديد طبيعة الصراع وفرض قواعد اشتباك جديدة. ففي الصراع التقليدي بين الدول، تحدد الجيوش مكان المعركة وزمانها وطبيعتها. أما في نموذج حزب الله، فالفاعل غير الحكومي هو الذي يختار ساحة القتال: حرب المدن، حرب الأنفاق، إطلاق الصواريخ من مناطق مدنية مكتظة بالسكان، استخدام المسيرات الانتحارية، الهجمات الإلكترونية. وهذه الأساليب تفرض قواعد جديدة لا تتقنها الجيوش النظامية المصممة لمواجهة جيوش أخرى في ميادين مفتوحة، وليس لمواجهة خصم لا يرتدي زياً عسكرياً، يختفي بين المدنيين، ويستخدم البنية التحتية المدنية غطاءً لعملياته. وهذا الاختلاف في طبيعة القتال يمنح الفاعل غير الحكومي ميزة نسبية تعوض جزئياً عن تفوق الخصم التكنولوجي والعددي.
الآلية الثالثة: قدرة الفاعل غير الحكومي على تحويل الخسائر البشرية والمادية إلى رأسمال سياسي. وهذه هي الآلية الأكثر تعقيداً والأكثر فاعلية. فكلما زاد عدد الضحايا المدنيين في جنوب لبنان نتيجة القصف الإسرائيلي، زادت شرعية حزب الله محلياً وإقليمياً. ففي نظر الجمهور اللبناني والعربي، القصف الإسرائيلي عدوان والمقاومة التي ترد عليه دفاع مشروع، والضحايا المدنيون هم شهداء في سبيل القضية. وهكذا، فإن القصف الذي يهدف إلى إضعاف الحزب هو نفسه ما يمنح الحزب قوته الحقيقية: القوة الرمزية والمعنوية. وهذا ما يفسر المفارقة المركزية: إسرائيل تقصف لتضعف الحزب، لكن القصف يمنحه شرعية وقدرة على التجنيد وتدفق الدعم. وهذه المفارقة تفسر فشل جميع المحاولات الإسرائيلية المتكررة لاستئصال حزب الله، لأنها تستخدم أدوات تنتج نتيجة عكسية تماماً لما هو مطلوب.
خاتمة
تثبت تجربة نصف قرن من التدخلات الإسرائيلية في جنوب لبنان أن القوة العسكرية وحدها، حين تنفصل عن استراتيجية سياسية واضحة وعن فهم لطبيعة الخصم، لا تقضي على التهديدات غير المتماثلة بل تعيد إنتاجها بشكل أكثر تعقيداً. فكلما زادت شدة القوة المستخدمة ضد فاعل غير حكومي يتمتع بشرعية محلية، زادت قدرته على التحول إلى رمز للمقاومة، وزاد تدفق الدعم المادي والمعنوي إليه.
وقد أظهر النموذج الإيراني قدرة على استغلال هذه التناقضات، إذ لم تبن إيران "حزب الله" من فراغ، بل وظفت الأخطاء الإسرائيلية المتكررة - الاحتلال الطويل، القصف العشوائي الذي يوقع ضحايا مدنيين، اغتيال القيادات الذي يخلق فراغاً يملؤه آخرون أكثر تشدداً، الانسحابات الأحادية التي تتحول إلى انتصارات رمزية - كفرص لتوسيع نفوذها وترسيخ رواية النصر.
كما تحولت الفواعل غير الحكومية من أدوات تابعة إلى شركاء في القرار، تمتلك هامشاً من الاستقلالية وقادرة على تعطيل أي تسوية لا تراعي مصالحها. وهذا يفرض إعادة نظر في النظريات التقليدية للعلاقات الدولية التي تهمش دور هذه الفواعل وتتعامل معها كمتغير تابع، بينما هي اليوم فاعل أساسي في أي معادلة إقليمية.
وأعادت إيران تشكيل الصراع الإقليمي وفق نموذج "وحدة الساحات"، حيث أصبح أي عدوان على أي طرف من "محور المقاومة" مكلفاً على جميع الجبهات، مما يمنح المحور قدرة على الردع المركب ويخلق حالة من العجز الاستراتيجي لدى القوى التقليدية التي تجد نفسها مضطرة لمواجهة خصم لا مركزي، متعدد الجبهات، لا يلتزم بقواعد الاشتباك التقليدية.
وفي ملف وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران وإسرائيل، يظل الغموض سمة بارزة، مما يعكس تعقيد الموقف وتضارب مصالح الأطراف. فبينما تسعى أمريكا إلى تهدئة شاملة، تصر إيران على ربط الجبهات، وتسعى إسرائيل إلى استثناء لبنان. وهذا الغموض، سواء كان مقصوداً أو ناتجاً عن تعقيد المفاوضات، يخلق حالة من عدم اليقين قد تطيل أمد الحرب أو تؤدي إلى تسوية هشة لا تلبي طموحات أي من الأطراف.
في ضوء ما تقدم، يبدو أن الصراع في الشرق الأوسط مقبل على مرحلة جديدة من اللامركزية والتشابك، حيث ستصبح الفواعل غير الحكومية فاعلاً أساسياً في أي معادلة إقليمية، ولن يكون بمقدور أي قوة خارجية فرض تسوية دون التفاوض مع هذه الفواعل أو تفكيك شبكاتها المعقدة. وإلى أن تدرك إسرائيل وأمريكا أن الحل العسكري وحده غير كاف، وأن معالجة الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية للصراع هي السبيل الوحيد لكسر الحلقة المفرغة، فإن التاريخ سيستمر في إعادة نفسه: كل حرب ستنتج حرباً أكبر، وكل تدخل سينتج مقاومة أشرس، وكل انسحاب سيتحول إلى نصر للخصم. وهذه هي المأساة الحقيقية التي لا تظهر في حسابات القوة العسكرية، لكنها تحكم مصير الملايين في المنطقة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك