سرقة المسلات المصرية [1]
عندما ظهرت أمريكا كقوة دولية، في مطلع القرن الثامن عشر، وجاء الدور عليها لتثبت أهميتها، وأنها لا تقل عن فرنسا وبريطانيا شأنا، لأجل ذلك، قررت الحصول على مسلة من المسلات المصرية، وخصوصا بعد أن حصل الفرنسيون والإنجليز على مسلات من محمد على.
في البداية قامت إحدى الصحف الأمريكية التي تصدر في نيويورك بنشر كاذب، ادعت صدوره عن سمو الخديوي إسماعيل، وجاء في الخبر أن سموه وافق على إهداء مدينة نيويورك المسلة الباقية بالإسكندرية، ولتأكيد الكذبة ادعت الصحيفة أن تصريح الخديوي كان في وجود جون ديكسون المقاول الذي تولي عملية نقل مسلة الإسكندرية إلى لندن.
وحرصا على علاقة البريطانيين بالخديوي فقد أصدر المقاول جون ديكسون تكذيبا للخبر المنشور، وقال إنه لم يحدث شئ من هذا القبيل.
كان الأمريكيون يعترفون أن الخبر كاذبا، فلماذا لا يجعلوه صحيحا؟
وبدأت على الفور عملية تحويل الخبر الكاذب إلى حقيقة.
كان الخبر قد نشر، وقرأه هنرك ج. ستبنز مدير مصلحة المتنزهات العامة لمدينة نيويورك. فلم يترك الفرصة تمر دون أن ينتهزها.
وعلى الفور كتب إلى وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية مستر أفراتس، يبلغه فيه برغبته للكتابة إلى سمو الخديوي للحصول على موافقته لنقل المسلة من الإسكندرية إلى نيويورك.
وقبل الحصول على موافقة الخديوي، بدأ مدير المتنزهات العامة الأمريكي في الاستعداد لهذا الحدث العظيم، وتم عمل اكتتاب للحصول على النفقات المالية المطلوبة، وتبرع أحد رجال الأعمال بكل النفقات بعد الاستعلام عن قيمتها من المقاول ديكسون الذي تولي نقل المسلة المصرية من الإسكندرية إلى لندن.
وكانت تلك أولي خطوات تحويل الخبر الكاذب إلى حقيقة واقعية.
وتقرر أن يقوم ممثل عن المقاول الإنجليزي بتقديم أصل الخطاب المقترح تسليمه إلى الخديوي، وتمت كتابة صيغة الخطاب بطريقة تداعب خيال الخديوي الذي كان حلمه أن تتحول مصر إلى واحدة من دول العالم الراقي والمتمدين، وجاء فيه:
" إن السرور العظيم الذي عم العالم المتمدين, إزاء خبر انتقال المسلة المعروفة باسم مسلة كليوباترا إلى إنجلترا, تحت رعاية حكومة سموكم, قد أثار الولايات المتحدة الأمريكية, وعلي الأخص أنه لدي أهالي مدينة نيويورك شغفا عميقا بالآثار المصرية, زاد منه التلميح لشعب مدينة نيويورك, عن طريق المستر ديكسون الذي يقطن في لندن بأن سموكم سوف تنظرون بعين العطف, إذا قدم طلب خاص بمسلة أخري معبرا عن سمو إرادتكم النبيلة وعواطفكم الصادقة, بإهداء مدينة نيويورك المسلة المناظرة لها ,القائمة الآن في الإسكندرية, لإقامتها في أحد الميادين العامة العظيمة . وأملا في ان هذا الطلب سوف يقابل من سموكم قبولا حسنا فإن أحد كبار أعيان نيويورك قد أبدى رغبته في تمويل هذا المشروع بكافة اللوازم الضرورية له، فيما يتعلق بنقل هذه المسلة عبر المحيط الأطلنطي، ووضعها في الموضع اللائق بها، وذلك لتبقي شاهدا ينطق بلسان روحكم الحرة المستنيرة التي أشرفتم بها على أعمال المملكة الجليلة القديمة التي استؤمنتم عليها بما أوتيتم من سطوة ونية صادقة، نحو أحدث الدول العظيمة في العالم".
وتم إرسال صورة هذا الخطاب إلى قنصل الولايات المتحدة الأمريكية في الإسكندرية يوم 15 أكتوبر 1877.
غير أن القنصل أبدى بعض التحفظات بشأن هذا الموضوع، منها أنه يخشى أن تكون هناك معارضة مصرية إزاء نقل المسلة من الإسكندرية، ولو أن الخديوي يرغب شخصيا في إرضاء رغبات أهالي مدينة نيويورك، فإنه لا يفكر في رفض هذه المنحة لهم، مع الأخذ في الاعتبار أن المسلة التي نقلها الإنجليز كانت مهملة، وملقاة منذ سنوات عديدة، ويغطيها التراب، وأن أهالي الإسكندرية قد نسيوها وأهملوها، أما المسلة الباقية فهي قائمة مع الأثر المعروف بعمود بومبي. وهما الأثران الباقيان في الإسكندرية ويزورهما السائحون.
غير أن القنصل أبلغ رئيسه وزير الخارجية، بأنه من العسير الحصول على مسلة الإسكندرية، وانه من الأفضل أن تقديم طلب للحصول على أحد الآثار الضخمة، أو أحدي المسلات الموجودة بالأقصر أو الكرنك.
لم يكن المقاول الإنجليزي الذي تعاقد معه الأمريكان ليتولى تقديم الطلب إلى الخديوي جاهلا، بل كان ملما بالأصول الدبلوماسية وآداب التعامل مع ملوك الشرق، بحيث يدرك انه لا يليق به كمواطن إنجليزي أن يطلب من الخديوي صنيعا بالنيابة عن مواطني دولة أخري.
لأجل هذا كتب هذا المقاول إلى القنصل العام للولايات المتحدة الأمريكية يخبره فيها أنه ليس متعهد توريد المسلات من طرف سمو الخديوي، وانه إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية ترغب في احدى المسلات، فينبغي أن يقدم وزير خارجيتها طلبا إلى حاكم مصر، واختتم المقاول جون ديكسون رسالته إلى القنصل قائلا:
" ...وإنني أتوسل إليك ألا تذكر اسمي على أنني أنا الذي اقترحت هذه الفكرة، وسوف يسرني التعامل معكم في المشروع الجديد، غير أن سمو الخديوي قد عاملني بكل احترام، وبطريقة لا يمكنني معها أن أسمح لنفسي مهما كان الثمن، أن أجازف بالإساءة إليه، وهو الأمر الذي أخشى أن تحدثه الرسالة المشار إليها."
يتبع
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك