من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

خدعوك فقالوا

أحمد الاكيابي
خدعوك فقالوا



إذا كنت شاب عمرك بين الخامسة عشر وربما الخمسين فإنه يؤسفنى أن أخبرك أنك مثل كثير خدعوك فقالوا على مشاعر عدة قد تمر بها عند بحثك عن شريك حياتك أنه يمكنك اصطلاحها بكلمة "الحب"، كم من مرة صدّقنا أن رعشة القلب الأولى أو لهفة النظرة العابرة تندرج تحت مسمى "حب"، ثم اكتشفنا لاحقاً أننا كنا ضحايا وهم أو هروب من يأس أو اضطراب ما فى طريقة التفكير ؟ ، فالحب كلمة أكبر بكثير مما نظن، وللأسف يسكن تحت مظلته مشاعر عدة معقدة لا تمت له بصلة، قد نستعرضها فيما يلي:


أولاً: وهم الحب الأول (مشاعر المراهقة)

في مرحلة المراهقة، حين تتفتح الأحلام وتبدأ النفس بالبحث عن شريك للحياة، يظن الشاب أو الفتاة أن أول شخص يبهره هو "حبه الوحيد"، يتسابق لإثبات ذاته أمامه، يتعلق بكل إشارة أو كلمة، ويغرق في وعود بأن هذا هو المصير الأبدي.

لكن ما يحدث في الحقيقة ليس حباً، بل لا يتخطى كونه تفاعل كيميائي بحت يمنح صاحبه شعور بنشوة مؤقتة، يرافقها هرمون يزيد من ضربات القلب، وهرمون آخر يجعل التفكير في الحبيب لا ينقطع. ولأنها مشاعر عابرة ترتبط بمرحلة عمرية محددة، غير مبنية على توافق حقيقي ووعى وإدراك بمزايا وعيوب كل منهما وقدرة كلاهما على التأقلم مع الآخر، فإنها غالباً ما تنتهي بالخذلان أو التناقض، حتى وإن تُوّجت فى إحدى الحالات بالزواج، إنه ليس حباً، بل تجربة أولى يمكننا أن نسميها بدقة: مشاعر المراهقة.


ثانياً: الحب من أول نظرة (الإعجاب)

نظرة عابرة، ابتسامة خاطفة، وربما جمال ملفت، فيقنع المرء نفسه بأنه وقع في "حب من أول نظرة"، ساعد على ذلك كثرة تناول هذه الفكرة فى السينما والدراما، لكنه في جوهره يسمى إعجاب لحظي أو ربما شهوة، قد يتكرر أكثر من مرة وتجاه أكثر من شخص، وربما يكون كافى لإقامة علاقة عابرة تنتهى بعد وقت محدود، لكن هذا أيضا ليس هو الحب الأبدى الذي يظنه من يبحث عنه، فهو أيضا لا يقوم على معرفة حقيقية ولا يختبر طبعاً أو مواقف، ولهذا فهو قابل للتكرار مع أشخاص آخرين، لأنه ببساطة يمكننا أن نطلق عليه: انبهاراً بصرياً عابراً.


ثالثاً: الحب من طرف واحد (الاضطراب)

في هذا النوع، قدد تتوافر معظم الشروط التى افتقدناها فى النوعان السابقان، ولكن بالرغم من ذلك قد يعيش شخص على أمل أن مشاعره ستجد صدى عند الآخر، وهو مالا قد يحدث، فالطرف الآخر مازال لا يشعر بشيء، وفى هذه الحالة يظل عقله رافضا لتصديق واقع الأمر، فيبدأ بتفسير كل حركة أو كلمة للطرف الآخر على أنها إشارة خفية له بالبقاء، فيُصرّ على الاستمرار والمحاولة باعتبار أنه أمر يستحق "التحدي" من أجل الفوز بالطرف الآخر فى النهاية، وكأنه بطل أسطورى في رواية رومانسية لم يكن له مثيل.

لكن في الحقيقة، ما يعيشه هذا ايضا ليس حباً، فما هو إلا مجرد اضطراب عاطفي، قد يكون هذا الاضطراب نابع من فراغ داخلي أو ضعف فى الشخصية، وربما عدم الثقة الكافية بالذات وربما الانطواء أو الخجل، فيدفعه ذلك إلى التصنع والتظاهر بكونه فى علاقة رومانسية لا يراها سوى عقله، ليكسب إعجاباً زائفاً، ليصلح فى قلق مستمر لا راحة فيه ولا اطمئنان.


رابعاً: الحب المرضي

حين يتحول الحب إلى رغبة في الامتلاك، يصبح مرضاً، يتعلق الشخص بآخر حتى لا يرى سواه، ويقتنع أن السعادة لا تُوجد إلا بوجوده جواره، يسعى للسيطرة عليه وحرمانه من حرية الاختيار، وكأن الحب الصادق بالنسبة له يعني "الاستحواذ".

هذا النوع خطير، لأنه إذا اهتزت صورة الشريك في عينيه أو شعر بإمكانية فقده، قد يدفعه الهوس إلى التطرف، إما بإيذاء الآخر أو إيذائه هو نفسه.


خامساً: الحب الأبدى

هذا النوع من وجهة نظرى هو النوع الوحيد الذي يستحق أن نطلق عليه كلمة "حب"، دون تعريفه بمصطلح نظير، فالحب الحقيقي أو الأبدى ببساطة يمكننا أن نوجز مفهومه فى سطر واحد، وهو أنه قدرة على التفاهم وقبول بالتنازل من كلا الطرفين عن أمور لم تكن محل نقاش سابقا فقط من أجل استمرار كل منهما معا دون أطماع أخرى، هو فقد القدرة على الاستمتاع بأى لحظة لا يوجد بها شريكه الآخر، هو ترك الحرية للتلقائية فى التصرف أمام شريكه دون تصنع أو تظاهر أو قلق من التأويل الاخاطئ أو النفور أو التنمر، هو قدرة على فهم ما يدور ببال كل منهما بمجرد النظر ودون حديث، هو ليس سباق لإثبات الذات، وقلباً يطمئنك قبل أن تقلق، وشخص يفهم احتياجاتك دون أن تشرح، وعلاقة واضحة لا تحتاج إلى "فك الشفرات" ، الحب ليس تياراً كهربائياً يرهقك، بل أرض صلبة تقف عليها مطمئنا، هو قرار واعٍ بأن يراك الطرف الآخر كل يوم ويختارك من جديد، قد ينتهى يوما ما إذا فقد أحد أهم أعمدته المذكورة، ولكن يظل معنى الالتزام والشراكة والسكينة هو العلامة الأكثر تمييزا لهذا النوع.

الحب الأبدى لا يسكنه المراهقة، ولا يختبئ في النظرات الأولى، ولا يُقاس بقدر التحديات أو الغيرة أو الامتلاك، الحب الحقيقي هو أن تجد نفسك مطمئنا في قلب الآخر، بلا خوف، بلا أقنعة، وبلا شروط، ورغم وجود العديد من الدراسات والكتابات حول ماهية الحب وأنواعه الهشة، إلا أنه ما زال الانسياق نحو تجارب واهية يظل أبديا، ونادرا أن يكون هناك من يمتلك الوعى الكافى لكى يصيب الاختيار فى تجربته الأولى.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8051
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.