من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

وحوش بملامح بشر

بقلم / سهير محمود عيد
وحوش بملامح بشر


لم تعد الجرائم التي نسمع عنها مجرد أخبار عابرة… بل أصبحت صفعات متتالية على وجوهنا جميعًا. كل يوم نستيقظ على فاجعة جديدة: طفلة تُغتصب، طفل يُتحرش به، فتاة تُقتل، وزنا محارم يهز القلوب قبل العقول. جرائم كانت في الماضي نادرة، أصبحت اليوم تتكرر بشكل مخيف، وكأن الإنسانية نفسها تتآكل ببطء.

الأبشع من الجريمة نفسها… هو هوية الجاني.

لم يعد الغريب فقط هو مصدر الخطر، بل أحيانًا يكون الأب، أو الأخ، أو العم، أو الجار القريب. أشخاص يحملون ملامح بشر… لكن قلوبهم تحولت إلى وحوش بلا رحمة.

نحن لا نعيش مجرد أزمة أخلاق… نحن نعيش انهيارًا مخيفًا في القيم.

كيف يمكن لإنسان أن ينتهك براءة طفل؟

كيف يتحول من يُفترض أن يكون مصدر الأمان إلى مصدر رعب؟

كيف تختفي الرحمة من القلوب إلى هذا الحد؟

الإجابة موجعة… لكنها واضحة: غياب الدين، ضعف التربية، وسقوط المبادئ.

حين يغيب الدين الحقيقي، لا يبقى هناك رادع داخلي.

حين لا يخاف الإنسان من الله، يصبح قادرًا على ارتكاب أبشع الجرائم دون أن يهتز ضميره.

فالدين لم يكن يومًا مجرد صلاة وصوم فقط، بل كان حاجزًا أخلاقيًا يمنع الإنسان من الانحدار إلى مستوى الوحشية.

لكننا اليوم نعيش زمنًا أصبح فيه البعض يعرف كل شيء… إلا الحلال والحرام.

يعرف التكنولوجيا… ولا يعرف الضمير.

يحفظ كلمات كثيرة… لكنه لا يعرف معنى الرحمة.

المأساة الأكبر أن بعض الأسر اليوم أصبحت تهتم بالمظاهر أكثر من القيم.

نهتم بالملابس…

بالهاتف…

بالمدرسة…

لكننا ننسى أن نزرع في أبنائنا الخوف من الله.

طفل اليوم قد يمتلك هاتفًا متطورًا، لكنه لا يمتلك تربية تحميه.

قد يرى محتوى لا يناسب عمره، ويتعرض لأفكار مشوهة، ويكبر دون رقابة أو توجيه.

وهنا تبدأ البذور الأولى للانحراف.

الخطير أن بعض الآباء والأمهات يعيشون في وهم الأمان.

يتركون أبناءهم مع أي شخص، يثقون في الجميع دون حذر، ويعتقدون أن "الأقارب مستحيل يؤذوا".

لكن الواقع المؤلم أثبت أن الخطر قد يأتي من أقرب الناس.

هذه ليست دعوة للشك… لكنها دعوة للانتباه.

لأن الجرائم التي نراها اليوم ليست مجرد حوادث فردية، بل نتيجة مجتمع أهمل التربية، وترك الأبناء دون وعي، واعتبر الحديث عن هذه الأمور عيبًا أو حرجًا.

لكن الصمت هو ما يصنع الكارثة.

يجب أن نعلم أبناءنا بوضوح:

أن أجسادهم ليست مباحة لأحد

أن هناك حدودًا لا يجوز تجاوزها

أن يخبروا فورًا عن أي تصرف مريب

أن لا يخافوا من الكلام

هذه التربية ليست قسوة… بل حماية.

نحن نعيش زمنًا أصبح فيه الطفل يحتاج إلى وعي مبكر، لأن المخاطر لم تعد بعيدة، بل أصبحت قريبة جدًا.

المجتمع أيضًا يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية.

انتشار العنف، والمحتوى غير الأخلاقي، وغياب القدوة، كلها عوامل تساهم في خلق نفوس مشوهة بلا ضمير.

نحن أمام جيل يحتاج إلى إعادة بناء…

بناء الضمير…

بناء القيم…

بناء الإنسانية.

لأن أخطر ما في هذه الجرائم أنها لا تقتل الضحية فقط… بل تقتل الأمان في المجتمع كله.

تجعل الخوف يسكن البيوت…

وتكسر الثقة بين الناس…

وتحول الحياة إلى قلق دائم.

نحن لا نبالغ حين نقول إننا نعيش زمنًا مخيفًا.

زمن أصبح فيه الإنسان يخاف على أبنائه حتى من الأقربين.

زمن أصبحت فيه البراءة مهددة… والأمان هشًا… والضمير غائبًا.

لكن رغم كل هذا… ما زال هناك أمل.

الأمل يبدأ من البيت.

من أم واعية…

ومن أب مسؤول…

ومن تربية تعيد بناء الضمير.

نحتاج أن نعود إلى الأساس:

الدين…

التربية…

المبادئ…

لأن القوانين وحدها لا تصنع إنسانًا…

والخوف من العقاب وحده لا يمنع الجريمة…

لكن الضمير الحي… هو الحارس الحقيقي.

وفي النهاية…

نحن لا نكتب لنخيف… بل لنوقظ.

لأن الصمت أخطر من الحقيقة.

والتجاهل أخطر من المواجهة.

نحن نعيش وسط وحوش بملامح بشر…

ولن نحمي أبناءنا إلا إذا انتبهنا… قبل أن تتحول الجريمة القادمة إلى مأساة جديدة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8058
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.