الثلاجة القديمة
منذ أكثر من عشرة أعوام اشترينا ثلاجة جديدة ,وحديثة , وكبيرة , لها بابان , ومبردها الرئيسي كبير ويتسع للكثر, وكانت لدينا ثلاثة ثلاجة أخرى قديمة, رافقت رحلتنا الزوجية منذ تاريخ موغل في القدم, بداية تأسيس عش الزوجية , في نهاية السبعينات , وقتها لم تكن تلك السلع الترفيهية متاحة للشراء الفوري, كان ينتجها القطاع العام, ولم تكن متاحة في الأسواق , إنما كان يتعين الحجز قبلها بسنوات بالعملة الصعبة, أو حجزها بالدولار في الخليح أو خارج مصر, ومن حسن الحظ, أن قريب لنا كان يعمل في الكويت, فطلبت منه أن يحجز لنا واحدة من هناك , وقتها كان سعر الدولار أقل من الجنية , وحجزها , وجاءت لنا بعد شهر واحد تخطر فوق سيارة نقل تابعة للشركة, وأنزلها العتال, واعطيناه جنيها , وفرحنا بها كثيرا .
تعرضت خلال تاريخها الطويل في خدمتنا إلى عمليات ترميم وإصلاح، فقد تلف موتورها، وهي في ريعان شبابها، واضطررنا إلي إجراء عملية زرع موتور آخر، وبعد فترة غيرنا العمود الحساس، ثم موتور ثالث، وأخيرا اجتاحت البارومة جسدها اللامع، فاضطررنا إلي إجراء عملية زرع صاج في بدنها، وصارت كالجديدة.
أقول هذا بمناسبة ما أخبرتني به زوجتي من اقتراب عيد الأضحى، وتوافر كميات من اللحوم، سواء من ذبيحتنا، أو مما يأتينا من الأصدقاء والأقارب، وإننا أصبحنا في حاجة الي ما يعرف: بالديب فريزر " وبالفعل اشتريناه، ووضعناه الي جوار صديقتيه، الثلاجة الجديدة والقديمة، غير ان القديمة بدأ صوتها يرتفع وتصدر صوتا أجشا عند تشغيلها. هنا انبرت زوجتي وقالت: ولما لا نتخلص من الثلاجة القديمة، لم تعد لها فائدة.
استعرضت تاريخ الثلاجة العريق في خدمتنا، وفكرت في طريقة للتخلص منها تليق بها، مع الاحتفاظ لها بكرامتها، والحقيقة أنها كانت آخر منتجات القطاع العام المأسوف عليه، وفي تلك اللحظة سمعت نداء بائع الروبابيكيا خارج البيت.
ناديت عليه. جاء يخطر في جلبابه الواسع المتسخ، وعاين الثلاجة، لف حولها , وفتح بابها ونظر في أحشائها, وأبدي استياءه من سوء حالتها , مع أنها كانت تعمل ونظيفة وتلمع , ولكنه نوع من المكر الذي تعودنا عليه من التجار لبخس الأشياء وتحقيرها, تمهيدا لطرح ثمن بخس , وبالفعل اخبرنا أنها لا تساوي أكثر من خمسين جنيها, أخبرته بعدم رغبتنا في بيعها, فخرج , وبينما هو علي الباب , قذف إلينا عشرة جنيهات أخري زيادة علي الثمن الذي طرحه, فتظاهرت بعدم السمع , فكررها , ولما رفضت سار خطوات ثم عاد, وقال إنه يقدر رغبتنا في التخلص منها, ولا يريد أن يتركنا دون أن يحقق رغبتنا , وزاد خمسة جنيهات .
أخبرته أنني سأتبرع بها للزبال، مع كيلو من اللحوم في يوم عيد الأضحى، وأنني لن أبيعها.
خرج عند الباب، ثم عاد وقرر أن يشتريها بالورقة المالية المعروفة، مائة جنيه كانت حديثة وجديدة، سحب الورقة من رزمة كبيرة كانت في جيبه بحزام البنك المركزي، وقال إنه سيأخذها.
اشارت لي زوجتي بالموافقة، فتهلل وجه بائع الروبابيكيا، ونزع كوفية طويلة كان يلتحف بها عند رقبته، ولفها حول الثلاجة، ثم أمسك طرفيها وحملها على ظهره، خرج من الباب تشيعها نظرات آسفين عليها، وعلى عشرتها الطويلة..
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك