غوبلز والسيطرة على العقول
عرف التاريخ البشري عباقرة في السيطرة على عقول الناس، ليس في بيان طرق الخير لهم بل في رسم طرق الشر وتضليلهم، يطلّ في مقدمة هؤلاء مسؤول الدعاية والإعلام في عهد هتلر بول جوزيف غوبلز)1897- 1945م) الذي جعل ألمانيا تسير وراء هتلر، وتتغنى بالحكم النازي.
في سيرة الرجل أنه ولد في قرية رايدت بولاية راينلاند في ألمانيا، ينتمي إلى عائلة ألمانية كاثوليكية فقيرة، عانى في طفولته من التهاب حاد في رئتيه، وولد بتشوه خلقي في قدمه اليمنى، فكانت رجله اليمنى أقصر من الأخرى، ولم ينجح الأطباء في تصحيحها؛ لهذا لم يسمح له بالخدمة في الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الأولى، فلزمته عقدة النقص طوال حياته.
حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هايدلبرغ عام 1922، وكانت أطروحته عن الكاتب المسرحي الرومانسي فيلهلم فون شوتز في القرن التاسع عشر. وخلال تلك الفترة رغب في أن بكون أديبًا، فكتب وهو في السادسة والعشرين من عمره رواية شبه سيرة ذاتية بعنوان "مايكل: مصير ألماني في شكل يوميات " رُفض نشرها في البداية، لكنها نُشرت لاحقًا عام 1929 من قِبل مسؤولي الحزب النازي. تقع الرواية في ثلاثة أجزاء، لم يبقَ منها غير الجزأين الأول والثالث. تُرجمت إلى الإنجليزية عام 1987م ونُشرت بعنوان "مايكل: رواية".
ساعدته مؤهلاته الأدبية على الخطابة، واتقان الدعاية والإعلام، ففي سنة 1924 نجح في نسج علاقة قوية مع مجموعة من الاشتراكيين الوطنيين الألمان، وأصبح محررًا للمجلة الاشتراكية الوطنية، وعينه هتلر عام 1926 قائدًا في الحزب النازي لمنطقة برلين. وعندما وصل هتلر إلى السلطة عام 1933 اختاره مديرًا للدعاية لألمانيا كلها. وامتدت سطوته إلى وسائل الإعلام والفنون والمعلومات، فسيطر على العقول، وخلق أسطورة هتلر، عندما تبنى أفكاره النازية، وروج لها بإقامة الاحتفالات، وإطلاق الشعارات الجذابة، وتنظيم المظاهرات الحزبية المؤيدة له.
اشتهر غوبلز بمهارته في مخاطبة الجماهير. وكان قاسيًا في معاملته موظفيه، وقد يوبخهم حتى في الأماكن العامة. ووصف بأنه لم يكن يحب أحدًا، ولا يحبه أحد. وكان أسلوبه غامضًا لا يمكن التنبؤ به. ومارس الرقابة على الكتب والفنون الجميلة، وسيطر على محطات الراديو، فلم يسمح بالاستماع إلى الإذاعات الأجنبية في أثناء الحرب، وتوعد بإعدام من يفعل ذلك. كما كره الثقافة والمثقفين وعُرف بقوله:" كلما سعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي"
شكلت أفكار غوبلز وممارساته مدرسة في الدعاية والإعلام، عُرفت بالمدرسة الغوبلزية، التي تقوم على التحكم بالمعلومات الصادرة أو المتعلقة بحدث من الأحداث؛ ليبقى الناس مشدودين إلى المصادر الإعلامية، ويسهل السيطرة على عقولهم، وتوجيه سلوكهم. فهو يرى بأن "الدعاية الناجحة يجب أن تحتوي على نقاط قليلة وتعتمد التكرار" فأدرك أهمية الكلمة وقوة فعلها في الجماهير، ووجد في تكرار الكلام والخطاب وسيلة فاعلة في التأثير في الوعي، وتشكيل القناعات، وتحويل الحقائق وتحريفها، وجعل المتلقي يعتقد بأنه يملك الحقيقة، وهو في الواقع لا يمسك إلا بالوهم، وكان يقول:" كرر الكذبة كثيرًا بما فيه الكفاية وستصبح حقيقة"، وكلما كبرت الكذبة سهل تصديقها". اكذب، واكذب، ثم اكذب؛ حتى يصدقك الناس".
كما تضمنت مدرسته الاهتمام بالإحصاءات؛ لأن لغة الأرقام تغني عن التفاصيل، وتقنع الناس دون جهد. كما جاءت المدرسة بما يعرف في علم النفس بظاهرة تأثير السبق، التي تقوم على أن الناس يميلون إلى تصديق المعلومات، التي يتلقونها أولًا في موضوع ما قبل أية معلومات يتلقونها عنه في ما بعد.
كانت تلك مدرسة غوبلز في الدعاية والإعلام، وما اتبعته من أساليب في السيطرة على عقول الناس، لكن لا يغيب عنا أن ننتبه إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: نهاية غوبلز صاحب هذه المدرسة؛ ففي الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، عيّنه هتلر في وصيته السياسية مستشارًا للرايخ. وأمضى في منصبه يومًا واحدًا، أصدر فيه أمره الوحيد إلى الجنرال الألماني هانز كريبس بأن يتصل بالقائد السوفييتي فاسيلي تشويكوف لإبلاغه بموت هتلر، ومحاولة التفاوض على وقف القتال، لكنه رفض ذلك وأصرّ على الاستسلام غير المشروط. لذلك أنهى غوبلز وزوجته حياتهما في الأول من مايو/أيار 1945، بعد أن قتلا أطفالهما الستة بالسيانيد.
الأمر الثاني: إن ظاهرة غوبلز ومدرسته تماثل ظاهرتين عرفتهما البشرية في القرن الماضي: المكارثية والجدانوفية. الأولى ظهرت في الفترة من 1950 إلى 1954، وتنسب إلى السيناتور الجمهوري اليميني الأمريكي جوزيف مكارثي (1909-1957). والثانية ظهرت في الفترة البلشفية الستالينية، وتنسب إلى الرقيب أندريه الكساندرفيتش جدانوف(1896 -1948). وقد تجلّى في تينك الظاهرتين، كما في الظاهرة الغوبلزية قمع المثقفين، ومحاولة السيطرة على عقول الناس، وزج الأدباء والمفكرين في السجون.
الأمر الثالث: إن مدرسة غوبلز، كما المدرستين الأخريين، للأسف لم تزل لها تأثيرها في رجال الإعلام والسياسة، ومن وقت لآخر يجري تطبيقها في كثير من الأحداث، ووسائل الدعاية والإعلام، وما زلنا نسمع صدى أفكاره بأن من يملك وسائل الإعلام يكسب الحرب، ويتحقق على أرض الواقع قوله إن الإعلام الذي لا ضمير له ينتج شعبًا لا وعي له.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك