من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

قراءة نقدية في كتاب " تحولات الذات في الشعر العربي الحديث" للكاتبة سحر حسب الله

د. ميرنا سعيد .. (العراق / الولايات المتحدة الأمريكية)
قراءة نقدية  في كتاب



حين نقرأ كتاب «تحوّلات الذات في الشعر العربي الحديث» للكاتبة سحر حسب الله فإننا لا نكون بإزاء عمل نقدي تقليدي يطمح إلى الإحاطة بموضوع محدد عبر أدوات منهجية معروفة بل أمام مشروع فكري وجمالي يسعى إلى إعادة طرح سؤال جوهري: 

كيف تغيّرت الذات العربية حين تغيّر شعرها؟ وهل كان الشعر انعكاسًا لهذا التحوّل، أم أحد العوامل التي أسهمت في تشكيله؟

منذ الصفحات الأولى يعلن النص بشكل غير مباشر انحيازه إلى مقاربة ترى الشعر بوصفه ظاهرة وجودية قبل أن يكون بنية لغوية وهذا الاختيار ليس تفصيلاً شكليًا بل هو ما يحدد طبيعة القراءة التي تقدّمها الكاتبة حيث تتجاوز حدود التحليل التقني لتدخل في عمق التجربة التي أنتجت النص الشعري ذاته.

الكتاب في بنيته العامة يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الحداثة الشعرية العربية لم تكن مجرّد انتقال من شكل إلى آخر أو من نظام وزني إلى آخر بل كانت في جوهرها تحوّلًا في طبيعة الذات التي تكتب ، لقد انتقلت هذه الذات كما يبيّن العمل، من موقع تمثيل الجماعة إلى موقع مساءلة الفرد ومن اليقين الخطابي إلى القلق الوجودي، ومن الصوت المرتفع إلى الصوت الداخلي.

وهنا تكمن إحدى أهم إضافات هذا الكتاب: 

أنه لا يقرأ التحوّل بوصفه حدثًا أدبيًا معزولًا بل يربطه بسياق أوسع من التحوّلات التاريخية والسياسية والثقافية التي عاشها العالم العربي منذ منتصف القرن العشرين ، فالشعر في هذه الرؤية لا يُفهم بمعزل عن الزمن الذي كُتب فيه ولا عن الأزمات التي شكّلت وعي الشاعر ودفعت لغته إلى هذا الشكل أو ذاك.

تتعامل سحر حسب الله مع الشعراء الذين اختارتهم مثل نازك الملائكة، وبدر شاكر السيّاب، وأمل دنقل، وسعدي يوسف وغيرهم بوصفهم محطات دالة في مسار تشكّل الذات الحديثة لكنها لا تقع في فخ الترتيب التاريخي أو التصنيف المدرسي بل تشتغل على ما يمكن تسميته “البنية الداخلية للتجربة”أي ذلك المستوى الذي تتقاطع فيه اللغة مع الوجود والشكل مع القلق، والإيقاع مع المعنى.

فحين تقرأ تجربة نازك الملائكة لا تقدّمها باعتبارها رائدة فحسب بل بوصفها ذاتًا مأزومة تحاول أن تجد لنفسها مكانًا داخل عالم مضطرب ، نازك هنا ليست مجرد شاعرة كسرت العمود الخليلي بل هي صوت خرج من منطقة هشاشة عميقة حيث يصبح الشعر محاولة للتماسك أكثر منه محاولة للابتكار.

أما السيّاب فيظهر في هذه القراءة بوصفه نموذجًا للذات التي تتشظى بين الجسد والتاريخ ، بين المرض والوطن، بين الحنين والخذلان ، لا يُقرأ السيّاب هنا من خلال رمزية المطر فقط بل من خلال علاقته المعقّدة بالعالم حيث يتحوّل الشعر إلى وسيلة لمقاومة الانهيار لا لتجميل الواقع.

وفي تجربة أمل دنقل تذهب الكاتبة أبعد من القراءة السياسية المباشرة، لتكشف عن البعد الوجودي الكامن في صوته الشعري ، فدنقل في هذا السياق ليس فقط شاعر الرفض بل شاعر القلق العميق، الذي يحوّل القصيدة إلى مساحة صراع بين الأمل واليأس، بين الرغبة في الحياة وإدراك هشاشتها.

ما يجمع هذه القراءات رغم اختلاف موضوعاتها هو محاولة الإمساك بلحظة التحوّل ذاتها: تلك اللحظة التي تتخلّى فيها الذات عن يقيناتها القديمة دون أن تمتلك بديلًا جاهزًا وهي لحظة شديدة التعقيد لأنها تقع في منطقة بينية، لا هي انتماء كامل ولا هي قطيعة نهائية.

من الناحية المنهجية لا ينتمي هذا الكتاب إلى مدرسة نقدية واحدة بشكل صريح ، وهو ما يمكن اعتباره نقطة قوة لا ضعف فالكاتبة تستفيد من مناهج متعددة ، تأملية، وجودية، وحتى ظاهراتية في بعض الأحيان ، دون أن تُعلن التزامها الصارم بأي منها وهذا يمنح النص حرية في الحركة ويجنّبه الجمود الذي قد تفرضه المناهج المغلقة.

غير أن هذه الحرية لا تعني الفوضى بل على العكس ، يمكن ملاحظة خيط فكري واضح يربط بين فصول الكتاب يتمثل في تتبّع مسار الذات من الخارج إلى الداخل ومن الجماعة إلى الفرد، ومن الخطاب إلى التجربة.

أما على مستوى اللغة فإن سحر حسب الله تكتب بلغة تحمل وعيًا مزدوجًا: وعيًا نقديًا يدرك المفاهيم ويتعامل معها بدقة، ووعيًا إبداعيًا يتيح للنص أن يتنفس خارج حدود المصطلح. هذه اللغة ليست محايدة بل منحازة إلى التجربة، وهو انحياز يمنح الكتاب حرارة إنسانية نادرة في الكتابات النقدية.

فالعبارة عندها لا تُستخدم فقط لتوصيل فكرة بل لتوليد إحساس وكأن النص يحاول أن يقارب الشعر بلغته الخاصة لا أن يكتفي بوصفه من الخارج وهذا ما يجعل القارئ لا يشعر أنه أمام دراسة عن الشعر بل داخل تجربة تشبهه في بنيتها.

من الجوانب اللافتة أيضًا في هذا العمل أنه لا يسعى إلى تقديم إجابات نهائية على العكس يمكن القول إن الكتاب يتعمّد إبقاء الأسئلة مفتوحة بل ويعيد صياغتها بطريقة تجعل القارئ شريكًا في التفكير، لا متلقيًا سلبيًا.

فالأسئلة التي يثيرها العمل تتجاوز حدود الشعر ، لتصل إلى جوهر التجربة الإنسانية:

ما معنى أن يكون للإنسان صوت خاص في عالم مليء بالأصوات؟

كيف يمكن للذات أن تحافظ على تماسكها وسط هذا الكم من الانكسارات؟

وهل يمكن للشعر أن يكون وسيلة للنجاة أم أنه مجرد تسجيل لهذا الانهيار؟

هذه الأسئلة لا تُطرح بشكل مباشر دائمًا لكنها تتسلل عبر التحليل، وتستقر في وعي القارئ بوصفها جزءًا من تجربته هو لا من تجربة النص فقط.

كما أن الكتاب ينجح في إعادة تعريف العلاقة بين النقد والإبداع فهو لا يتعامل مع النقد بوصفه نشاطًا ثانويًا يأتي بعد النص بل بوصفه امتدادًا له ، القراءة هنا ليست تفكيكًا بقدر ما هي إعادة بناء والنقد ليس حكمًا بقدر ما هو مشاركة.

وفي هذا السياق يمكن القول إن سحر حسب الله تكتب النقد من موقع من عاش التجربة لا من موقع من يراقبها من الخارج وهذا ما يمنح نصها صدقًا واضحًا ويجنّبه التعالي الذي قد يطغى على بعض الكتابات الأكاديمية.

كذلك، يلفت الانتباه اهتمام الكتاب بما يمكن تسميته “البعد الحسي للغة” حيث لا تُقرأ القصيدة فقط من حيث معناها بل من حيث إيقاعها، وصمتها، ومساحاتها البيضاء .

هذا الوعي يجعل القراءة أكثر عمقًا لأنها تتعامل مع النص بوصفه كيانًا مركّبًا لا مجرد حامل لأفكار ولا يمكن إغفال البعد الفلسفي الذي يتسلل إلى العمل دون أن يتحوّل إلى تنظير مباشر، فالكتاب في جوهره مشغول بسؤال الوجود لكنه يطرحه من خلال الشعر، لا من خلال الفلسفة المجردة وهذا ما يمنحه طابعًا خاصًا، يجمع بين التأمل والقراءة، بين الفكر والإحساس.

في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن «تحوّلات الذات في الشعر العربي الحديث» يقدّم إسهامًا مهمًا في حقل الدراسات الأدبية العربية لا لأنه يضيف معلومات جديدة بالضرورة بل لأنه يقدّم زاوية نظر مختلفة وهذه الزاوية هي ما يحتاجه النقد اليوم أكثر من أي شيء آخر.

إن قيمة هذا العمل تكمن في قدرته على إعادة التفكير في مسلّمات بدت لفترة طويلة وكأنها نهائية فهو يعيد طرح الأسئلة حول الحداثة، وحول الذات، وحول الشعر نفسه دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة.

وفي زمن تميل فيه كثير من الكتابات إلى التبسيط أو التكرار يأتي هذا الكتاب ليذكّرنا بأن النقد يمكن أن يكون فعلًا إبداعيًا وأن القراءة يمكن أن تكون تجربة لا تقل عمقًا عن الكتابة.

في النهاية لا يخرج القارئ من هذا العمل محمّلًا بإجابات بل مثقلًا بأسئلة أكثر عمقًا ، وأكثر صدقًا ، وربما يكون هذا هو الإنجاز الحقيقي لأي كتاب: 

أن يغيّر طريقة تفكيرنا لا أن يملأ ذاكرتنا بالمعلومات.

وهذا في تقديري ما نجحت سحر حسب الله في تحقيقه بوضوح..

تحوّلات الذات في الشعر العربي الحديث: من التعبير إلى التجربة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8094
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.