نوادر جحا. ..القصة الرابعة _ الحمار والدراما النفسية
كان الطريق إلى السوق طويلًا بما يكفي ليجعل الإنسان يشكّ في جدوى الوصول، ومغبرًّا بما يكفي ليجعل الوجوه تتشابه، كأن التعب صبغها بلونٍ واحد. وكانت الخطى تمضي… لا لأن هناك هدفًا واضحًا، بل لأن التوقف صار رفاهية لا يملكها أحد.
وفي هذا الامتداد الباهت، كان جحا يسير، وخلفه حماره، يجرّ عربةً صغيرة محمّلة بفاكهةٍ تبدو أكثر نضارة من أصحابها. وفجأة دون إنذارٍ ولا دراما تعثّر الحمار ثم توقّف.
لم يكن توقفًا عاديًا، بل وقفةً كاملة، حاسمة، كأن الحيوان قرر أن ينسحب من مسرحٍ لم يعد يصدّق قصته. طأطأ رأسه، وثبّت قدميه في الأرض، ورفض أن يكون جزءًا من المشهد.
تجمّع الناس، كما يفعلون دائمًا حين يشمّون رائحة التعطّل، لا ليُصلحوا، بل ليُعلّقوا.
قال أحدهم، وهو يبتسم ابتسامة من وجد فرصة ليشعر بأنه أفضل: "يا جحا، حمارك يتدلّل! الفاكهة ليست جبلًا!"
وقال آخر: "لعله تعب من خدمة الفلاسفة!"
ضحكوا… ضحكةً خفيفة، سريعة، كأنها لا تريد أن تفكر.
أما جحا، فالتفت إليهم ببطء. لم يكن في عينيه غضب، بل شيء أشبه بالعتب… عتب من يفهم أكثر مما ينبغي. نظر إلى حماره أولًا، ثم إليهم، وقال بهدوءٍ يربك الساخرين: "أنتم ترون الفاكهة وأنا أرى الروح."
سكتوا قليلًا، لا لأنهم اقتنعوا، بل لأن الجملة لم تكن سهلة الهضم.
اقترب جحا من الحمار، وربّت على عنقه كما يُربّت على صديقٍ قديم، ثم قال: "هذا المسكين لا يعاني من ثِقل الحمل… بل من ثِقل المعنى."
ثم التفت إليهم من جديد، وأكمل: "إنه يتساءل وأرجوكم لا تضحكوا قبل أن تفهموا لماذا نمشي كل يوم إلى السوق، لنبيع أشياء سنعود غدًا لنشتري مثلها؟ لماذا ندور في حلقةٍ لا تتعب لأنها لا تتحرك أصلًا؟"
تحرّك أحدهم في مكانه، كأن السؤال أصابه في موضعٍ لم يكن يتوقعه."أنتم ترون طريقًا وهو يرى تكرارًا. أنتم ترون عملًا… وهو يرى إعادة. أنتم تعيشون وهو يسأل لماذا."ثم ابتسم ابتسامة خفيفة، فيها من الحزن ما يكفي ليجعلها صادقة: "حمارِي، يا سادة، ليس كسولًا إنه فقط أولكم شجاعة."
ساد صمتٌ غريب، ليس لأنهم فهموا تمامًا، بل لأن شيئًا ما في الداخل ارتبك. فالفكرة، حين تخرج من فم حمار، تكون أخطر… لأنها لا تجد ذريعةً سهلة لرفضها.
مدّ جحا يده، وجذب الحبل برفق، فلم يتحرك الحمار. تنهد، ثم قال كمن يعترف: "لا بأس… سنقف قليلًا. لعلنا، ونحن واقفون، نفهم لماذا كنا نسير."
جلس على حافة الطريق، بجوار حماره، وترك السوق يمضي بدونهما لأول مرة، لم يكن مستعجلًا أن يصل، وكأن التوقف نفسه صار وجهة.
الخلاصة:
ليس كل من توقّف عاجزًا بعضهم فقط أدرك أن الطريق، رغم طوله، لا يذهب إلى مكان.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك