الرهان الخاسر و نَدَامَةُ الْكُسَعِيِّ
يُعتبر مثلُ "أندم من الكسعي" واحدًا من الأمثال الشعبية العربية التي تضرب وتُقال في مواقف الندم والتأسي على ما فات.
ويعد الفرزدق من أشهر الشعراء الذين استشهدوا بهذا المثل حين قال بعدما طلق امرأته نوار:
نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لَمَّا
غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقَةٌ نَوَارُ
وَكَانَتْ جَنَّتِي فَخَرَجْتُ مِنْهَا
كَآدَمَ حِينَ لَجَّ بِهَا الضِّرَارُ
وَكُنْتُ كَفَاقِئٍ عَيْنَيْهِ عَمْدًا
فَأَصْبَحَ مَا يُضِيءُ لَهُ النَّهَارُ
فهو يعبرُ عن ندمه حين فرّط في جنته الأرضيةِ وطلّق امرأته نوار، واستجاب لوساوس شياطين الإنس والجن فكان كمن اختار العتمة على النور وفقأ عينيه، وحين أحس مرارةَ الظلمةِ أراد العودةَ ولات وحين مندم. ولعل من أشدِ صور الندم قسوةً حين تراهن على شخصٍ بعينه وتحارب الدنيا بأسرها من أجله ولا تأبه لنصح ناصحٍ أو صوتِ عقلٍ منير، والأسوأ من ذلك حين تسعى بكل ما أوتيت من قوةٍ لتثبت للجميع أن اختيارك هو الأفضل وأنك على الدرب القويم.
والكارثة حينما يخذلك من راهنت عليه ووضعت كلَ البيضِ في سلته، فتراك قد وقعت أسيراً لدائرة خوفك وتتهرب من الاعتراف أمام نفسك بخطئك وسوء تقديرك فضلا عن استخدام كل الحيل النفسية والمبررات السفسطائية كي لا يظهرَ فشلُ اختيارك أمام الآخرين وتجنباً لنظرات الشماتة والسخرية.
ومن النماذج التي توردك موارد الخسارة وتؤول بك إلى عاقبةِ الندم والخذلان ذلك الصنفُ من الناس الذي يضمن وجودك في حياته وكأنك له أبٌ أو أمٌّ.
صنفٌ حين الأخذ فهو أول الصف، وحين العطاء تكون أنت آخر من يفكر فيه، وحين يجرحك بكلمةٍ أو فعلٍ فهو على ثقة تامةٍ أنك سترضى لا محالةَ حين يَمن عليك ليرضيك ويطيب خاطرك، فأنت في نظره من رابع المستحيلات أن تغضب منه مهما كانت التجاوزات، وإذا اختبرتَ قيمتك لديه بالاختفاء والبعد، فلن ينزعج أبداً لأنك لديه مضمونٌ، وكل ما يحتاجه هو أن يضغط على زر استدعائك وكأنك الجنيّ في مصباح علاء الدين القديم، وعدم خروجك من محبسك لتلبية رغباته خيانة وتقصير ليس له سيبل للعفو والغفران.
مثل تلك العلاقات المشوهة كحملٍ خارج الرحم، فهو بكل حال من الأحوال لا يمكنه أن يستمر وإن عاندنا كي يبقى استحال إلى نزيفٍ داخليّ وخطرٍ داهمٍ على الحياة. فإن وجدت نفسك متورطاً في مثل تلك العلاقات السامة والتي تكسر قلوبكم وتستبيح سياج كرامتكم وتحيل ربيعكم خريفاً تتساقطُ فيه معالمُ البهجةِ وتسقطُ راياتُ الانتصارِ فسارع بالفرار كهارب من السباع.
فليس كلُ سقوطٍ نهايةً، وليس كلُ مفارقةٍ دليلَ هزيمةٍ أو انهيار.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك