تسيالزم .. إخناتون يتكلم من الهامش
يبدأ " طارق سعيد أحمد" ديوانه "تسيالزم .. إخناتون يقول" بتصدير صادم: " لا أنصح كل من استسلم للنمطية أن يقرأ هذا العمل، فهو لكل حر أراد أن يحقق وجوده". هكذا يشير الشاعر قارئه بأنه لا يقدّم نصوصًا بقدر ما يقدّم حالة؛ نحن هنا أمام نصّ مفتوح، مراوغ، يرفض الطمأنينة الجمالية، ويضع قارئه منذ الصفحة الأولى أمام اختبار حقيقي، إما أن يقبل الدخول في منطقة سيولة وارتباك، أو ينسحب بهدوء.
العنوان كمرآة
وذلك ما يفسّر اختيار "تسيالزم" عنوانًا وهاجسًا جماليًا يسكن قصائد يتقاطع فيها الذاتي بالأسطوري، واليومي بالميتافيزيقي. وهي كلمة ليست شائعة، ولعلها مشتقة من السيولة أو التسيال لتوحي بحالة وجودية وجمالية ترفض الثبات، وتنكر المعنى المكتمل، يعبر بها الشاعر عن قناعته بأن الذات والفن والعالم في حالة ذوبان دائم، وهو ما ينسجم مع نبرة الديوان التي ترى الواقع هشًا، واللغة قاصرة، والذات منقسمة على نفسها.
تظهر كلمة "تسيالزم" صراحة في قصائد متعددة لكنها لا تُعرّف تعريفًا مباشرًا. إنها حالة ذوبان بين الأجناس: شعر، رسم، نحت، موسيقى، حلم. في قصيدة تحمل الاسم نفسه، يرتبط التسيالزم بالدم، بالغرق، وبالاغتسال القسري من أوهام الرؤية، "اغسل وشك / دمك غرقني".
أما ذكر إخناتون هنا فليس استدعاءً تاريخيًا بريئًا، ولكنه قناعًا صوتيًا. فهو الملك الذي دعا إلى إله واحد ثم سقط ليصبح رمزًا للإقصاء، وحين يختار الشاعر العنوان "إخناتون يقول"، فهو لا يمنحه سلطة، وإنما يعلن منذ الغلاف أن الديوان ينطلق من منطقة بين التاريخ والحاضر، بين الأسطوري والواقعي، بين النبوءة والهذيان. هكذا يبدو العنوان كمرآة لبنية الديوان.
انقسام الذات
يفتتح الشاعر الديوان بنصّ موجّه إلى "أنا"، في إحالة مباشرة إلى انقسام الذات على نفسها. فالأنا هنا تمثل كيانًا هشًا، مراقَبًا، يقول:
"نظرتك الثابتة / علي أشياء/متحركتش سنتيمتر واحد"
تُحيل النظرة الثابتة، في مقابل عالم متحرّك، إلى وعي مأزوم، عاجز عن اللحاق بتدفّق الواقع. وتكشّف منذ البداية عن ثيمة مركزية في الديوان، وهي العجز عن التوافق بين الداخل والخارج، بين وجدان "نبت على أطراف مشاعر" وواقع مزيف من اللحظة البداية.
وفي قصيدة "تحريض" نجد تحريضًا وجوديًا على مساءلة الذات، وعلى فضح أوهامها العاطفية، "أول مرة تقيس علي نفسك/ صوتك/ اسمك/ وملامحك"، التحريض هنا موجّه إلى الداخل، مع المرآة، مع الضوء الذي يجف "قبل أن ينقذ الحكايات"، لأن الفرد في النهاية وحيد، والحيطان "ملهاش ودان".
وفي قصيدة "تحويل"، يرى الشاعر أن الكتابة ليست خلاصًا، يقول:
"كل ما أحاول أكتب/ أرسم شجر جامح/ متحددين بره الصور"
هذه القصيدة لا تُنتج معنى مكتملًا، بل تنتج فائضًا من الهوس والأسئلة. اللافت أن الشاعر يرفض بوضوح الانتماء إلى أشكال فنية جاهزة: "مش فاضي أنا لفن النحت / والتجريد / والشعبطة فوق السحاب".
أما في قصيدة "حلم" فيتحوّل الحلم إلى كائن يومي يشارك الشاعر سريره، يطارده، ويخونه في الصباح
"كل ليلة / ينام علي سريري/ حلم فاكرني/ هاحققه".
يمثل الحلم هنا وعدًا مؤجَّلًا، يُستنزف مع "فنجان القهوة / وتلت سجاير ع الريق"، اليومي العادي يقتل الحلم، لكن الحلم يعود بإصرار عبثي، ليعيد إنتاج خيبة جديدة. وهو ما يكشف عن رؤية قاتمة للوجود، لا ترى الخلاص في المستقبل، ولا في الماضي، بل تكتفي بتسجيل الدوران العبثي بينهما، وهذه الدائرية ستصبح لاحقًا بنية أساسية في الديوان.
ربما لذلك يصبح الجسد في الديوان موقعًا للصراع. فيمثل فعل "صبّ الجسد في الجزمة" في قصيدة "وشوش"، استعارة قاسية عن التكيّف القسري مع اليومي، مع العمل، مع القوالب الاجتماعية. الجسد في هذه القصيدة وفي غيرها، يُلبس، يُشدّ، يُراقَب، لكنه أيضًا آخر ما يملكه الشاعر ليقاوم الذوبان الكامل.
القاهرة جسدًا متعبًا
يحتل مفهوم الصورة موقعًا مركزيًا، بوصفه سؤالًا عن الرؤية. في "9 صور" يتحوّل الوجه إلى تمثال، نصفه غارق ونصفه جبل في صحراء. الصورة هنا ليست تمثيلًا ولكنها تشويهًا، "امسك بإيدك/
قلبك المستطيل/ امشي برجليك في الطين/ انت مش شجرة"، هنا الشاعر يذكّر ذاته بأنه كائن حي.
وتحضر القاهرة بقوة، خصوصًا في قصائد "وسط البلد"، و"سودا"، لكنها تبدو ككائن عجوز، مُنهك،
"اكتشفت أد إيه/ القاهرة الصبية/ عجوزة جد"، الشاعر هنا لا يصف مدينة بقدر ما يصف علاقة جيل كامل بالمكان، علاقة تقوم على الحنين والخذلان معا، لكنها في الوقت نفسه تظل مكانا للألفة العابرة، فالقهوة، الرصيف، النيل، وغير ذلك من التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة حدها الأدنى من الاحتمال.
وأخيرا لا ينتهي الديوان بإجابة، بل بسؤال مفتوح، وبحرف مفرد "ط" في القصيدة الأخيرة (أول حروف اسم الشاعر)، وهو هكذا يعني أنه يحضر دون أن يكتمل، وهذا ينسجم مع روح الديوان كله، حيث الذات متشظية وغير مستقرة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك