من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

وجوه الأنبياء في ملامح الأجداد

بقلم احمد لملوم
وجوه الأنبياء في ملامح الأجداد



​كثيراً ما تمنيت لو أن للزمن "باباً" سحرياً، ليس لنعبر منه، بل لننظر من خلال ثقبه الضيق إلى تلك الوجوه التي غيبها التراب وصقلتها الأساطير. فنحن، يا سيدي، نعيش في "غيبوبة التاريخ"، نقرأ صفحاته كأنها قصص منفصلة، بينما هي في الحقيقة "نهر واحد" يتدفق من منبع إلهي قديم، لكننا شتتنا المسميات وضيعتنا الترجمات.

​هل فكرت يوماً وأنت تقف أمام عظمة "الكرنك" أو تتأمل صمت "إدفو"، أن هذه الحجارة ليست مجرد صخور صماء، بل هي "أناجيل ومنشورات سماوية" نُقشت بالزميل؟ إنني أكاد أسمع همس الأنبياء خلف صخب الآلهة، وأبصر ثياب الطهر تحت تيجان الملوك.

​يوزرسيف.. العزيز الذي لم يغادر الذاكرة

​يقولون "يوزرسيف"، وتقول التوراة "يوسف"، وينطقها القرآن بجمال يخلب الألباب. لكن التفتيش في رمال "طيبة" يكشف لنا أن هذا الشاب العبراني لم يكن مجرد غريب مرّ عابراً، بل كان "العمود الفقري" لدولة كادت أن تنهار جوعاً.

​في "سفر التكوين"، يلبسه الفرعون "خاتم الختم" و"ثياب البوص"، وفي القرآن هو "حفيظ عليم". وإذا نظرنا في البرديات، نجد قصة "أمنمحات الثالث" أو "سنوسرت الثالث"، حيث تظهر براعة هندسية في تطويع مياه الفيضان، تماماً كما فعل يوسف في تدبير سني القحط. يوزرسيف ليس مجرد اسم، بل هو "توصيف وظيفي" في لغة مصر القديمة، يعبر عن ذاك الذي "أُضيف" إليه العلم والجمال. إن التفاصيل التي ذكرها "الفرقان" عن "عزيز مصر" تتطابق مذهلاً مع رتبة "حامل الختم الملكي" التي لم تكن تُعطى إلا لمن ملك مفاتيح الأرض والسماء معاً.

​أوزوريس.. إدريس الذي "رفعناه مكاناً علياً"

​وهنا نقف أمام اللغز الأكبر.. "أوزوريس". ذلك الكائن النوراني الذي علّم الناس الزراعة والكتابة، وبشرهم بالبعث والحساب. ألا يذكرك هذا بـ "إدريس" عليه السلام؟

في المأثور الإسلامي، إدريس هو "هرمس الهرامسة"، أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب. وفي "كتاب الموتى" المصري، أوزوريس هو رب القلم والميزان، هو الذي خلع على البشرية رداء الحضارة.

​إن التوراة تسميه "أخنوخ" وتقول إنه "سار مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه". أليس هذا هو "الرفع" الذي ذكره القرآن؟ إن "أوزوريس" في الميثولوجيا المصرية ليس إلهاً بالمعنى الوثني المبتذل، بل هو "صورة ذهنية" لنبي علّم الناس أن الروح لا تموت. لقد حوّل المصريون القدماء "إدريس" إلى رمز كوني، لأنهم لم يستطيعوا استيعاب بشرية نبي بكل هذا النور، فجعلوا منه دياناً للبشر في "محكمة العدل الإلهية".

​ملوك أم أنبياء؟.. الحقيقة خلف التيجان

​إننا نخطئ كثيراً حين نظن أن "الفراعنة" كانوا جبارين فحسب. فإذا غصنا في "زبور" داوود، وجدنا ترانيم تفيض بالتوحيد، تكاد تشم فيها رائحة بخور "إخناتون" وهو يناجي "آتون" خلف قرص الشمس.

في "إنجيل يوحنا" حديث عن "الكلمة"، وفي منف القديمة كانت "بتاح" يخلق بالكلمة. هل كان "مينا" أو "خوفو" أو "تحتمس" مجرد ملوك؟ أم أنهم كانوا يحملون بقايا "رسالات" ضاعت في زحام الأساطير؟

​إن "الفرقان" يخبرنا أن "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير". فهل يُعقل أن تُترك مصر، سيدة العالم القديم، بلا أنبياء؟ بل إن ملوكها كانوا في أصلهم "خلفاء الله" في الأرض، يلبسون رداء النبوة وسلطان الملك، قبل أن تنحرف العقائد وتتحول "الوحدانية" إلى "تعددية" رمزية.

​المواجهة.. بين "النص" و"النقش"

​لنضع الآن "الكتب المقدسة" بجانب "الجدران الصخرية" في مقارنة لا تعرف المحاباة:


المفهوم / الشخصية في النصوص المقدسة (قرآن/توراه/إنجيل) في النقوش والآثار المصرية

المحاكمة بعد الموت ميزان الأعمال، القلب يشهد، والحساب دقيق. ميزان "ماعت"، وزن القلب ضد الريشة، والاعتراف الإنكاري.

إدريس / أوزوريس رفعناه مكاناً علياً، أول من علم الكتابة والخياطة. سيد الأبدية، رب القلم، الذي صعد للسماء وأصبح ديان الأموات.

يوسف / يوزرسيف مخازن الأرض، تدبير القحط، السجود للشمس والقمر. لوحة "المجاعة" بأسوان، وزير التموين الذي أنقذ الأرض بمشورة إلهية.

التوحيد "لا إله إلا الله"، "قل هو الله أحد". صلوات إخناتون: "أنت الواحد الذي لا ثاني له، خلقت الأرض بقلبك".

إن التاريخ، يا سيدي، ليس "تذكاراً" نضعه في واجهة العرض، بل هو "مرآة" نرى فيها أنفسنا. لقد كان أجدادنا "أنبياء" في سلوكهم، "رهباناً" في هندستهم، و"موحدين" في عمق ضمائرهم.

​إن يوزرسيف هو يوسف الذي نطق بالحق في بلاط الملك، وأوزوريس هو إدريس الذي طار في ملكوت الله ليأتي بالمعرفة. والحقيقة الكبرى تظل محفورة في الصخر، تنتظر قلباً يقرأ، لا عيناً ترى فحسب. فما نحن إلا صدى لأصواتهم القديمة، وما أدياننا إلا استمرار لذاك "النور" الذي بدأ هناك.. على ضفاف النيل.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8110
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.