قراءة في كتاب “الجبل الكردي” للمؤرخ الدكتور محمد رفعت الإمام
في كتاب “الجبل الكردي” للمؤرخ الدكتور محمد رفعت الإمام، لا تبدو الجغرافيا مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل تتحول إلى فاعلٍ أصيلٍ في صياغة المصير؛ فـ“الجبل” هنا ليس تضاريس مرتفعة فحسب؛ بل هو كيان رمزي يختزن معنى الصمود والعزلة، ويعيد إنتاج الهوية في مواجهة محاولات التذويب والاحتواء، ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الكتاب بوصفه تأمّلًا فلسفيًا في العلاقة الجدلية بين الإنسان والمكان؛ حيث لا يكون المكان محايدًا، بل قوة تُشكّل الوعي كما تُشكّل الوقائع.
ينطلق المؤلف من لحظة مفصلية في التاريخ، هي معركة جالديران، بوصفها لحظة انقسام لا جغرافي فقط، بل أنطولوجي كذلك؛ إذ لم يعد الكُرد بعد تلك اللحظة مجرد جماعة إثنية تعيش في فضاء طبيعي، بل صاروا موضوعًا لصراع الإمبراطوريات. وهنا تتجلّى المفارقة الفلسفية: كيف يمكن للهُوية أن تبقى حيّة وهي موزّعة بين حدود لا تعترف بها؟ وكيف يتحوّل الانقسام من حادثة تاريخية إلى قدرٍ دائم؟
يقدّم “الجبل” إجابة ضمنية:
إن العزلة التي فرضتها الطبيعة الجبلية لم تكن عزلة سلبية، بل كانت شرطًا لإعادة إنتاج الذات. ففي الجبل، حيث يصعب الإخضاع الكامل، تنشأ أشكال من الحرية الهامشية، حرية لا تُعلن نفسها كدولة، لكنها تعيش كحالة.
وهنا يقترب الكتاب من تصور فلسفي يرى أن الحرية ليست دائمًا في الاستقلال السياسي، بل قد تكون في القدرة على الاستمرار رغم غياب هذا الاستقلال.
غير أن هذه الحرية الجبلية تحمل في طياتها تناقضًا عميقًا؛ فهي من جهة تحمي الهوية، ومن جهة أخرى تعيق تشكّل كيان سياسي موحّد.
فالجبل الذي يمنح الحماية، يفرض التشتت. وبذلك يصبح الكُرد – كما يلمح الكتاب – أسرى مفارقة وجودية:
إنهم محفوظون بالانقسام، ومهددون بالوحدة. وهذه المفارقة تفتح الباب أمام سؤال فلسفي أوسع: هل يمكن لهِويةٍ ما أن تكتمل دون أن تفقد شرط بقائها؟
في سياق الصراعات بين الإمبراطوريات، يظهر الكُرد كذاتٍ تاريخية تُستَخدم أكثر مما تُعبِّر عن نفسها. ومع ذلك، فإن الكتاب لا يسقط في نزعة الضحية، بل يكشف عن ديناميات داخلية _ من صراعات الأمراء والمشايخ_ أسهمت في تعميق هذا الوضع. وهنا تتجلى رؤية نقدية ترفض اختزال التاريخ في الخارج وحده، وتعيد الاعتبار لدور الداخل في تشكيل المأزق.
إن “الجبل الكردي” في جوهره ليس كتابًا عن الماضي فقط، بل هو نصّ يُعبر عن الزمن بوصفه تراكُمًا للفرص الضائعة، فكل لحظة تاريخية لم تُستثمر تتحول إلى عبءٍ على الحاضر، وكل انقسام غير محسوم يستمر كجرحٍ مفتوح. ومع ذلك، يبقى في هذا الجبل شيءٌ من الأمل؛ ليس أمل الدولة بالضرورة، بل أمل البقاء، وهو أملٌ أقل صخبًا، لكنه أكثر رسوخًا.
هكذا، يضعنا الكتاب أمام حقيقة فلسفية دقيقة: أن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل هي صراع مستمر بين ما تفرضه الجغرافيا وما يصنعه التاريخ، وبين ما يُراد لها أن تكونه، وما تُصرّ هي على أن تظل عليه.
تحية تقدير للدكتور محمد رفعت الإمام الذي يُعد واحدًا من أبرز المؤرخين العرب المعاصرين الذين اشتغلوا على التاريخ الحديث بعينٍ تحليلية تتجاوز السرد التقليدي إلى تفكيك البُنى العميقة للأحداث. والذي تميّزت كتاباته بقدرة لافتة على الربط بين الجغرافيا والسياسة والهُوية، وهو ما يظهر بوضوح في أعماله التي تتناول قضايا معقّدة مثل المسألة الكردية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك