من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ملحمة البقاء

د.نهال أحمد يوسف
ملحمة البقاء


يضرب عيد "شم النسيم" بجذوره في أعماق التاريخ المصري لأكثر من 4700 عام، حيث بدأ الاحتفال الرسمي به قرابة عام 2700 قبل الميلاد مع بدايات عصر الدولة القديمة، ليكون شاهداً على قدرة المصريين على تخليد موروثاتهم التي لم تنقطع منذ آلاف السنين. يعود أصل التسمية إلى الكلمة الهيروغليفية "شمو" التي كانت ترمز لفصل الصيف أو "الحصاد" في التقسيم الزراعي القديم الذي عرفه المصري، والذي قسم سنته إلى ثلاثة فصول ارتبطت بدورة النيل؛ فكان "شمو" هو ميعاد جني الثمار وتجدد الحياة، وتطورت الكلمة عبر الزمن في اللغة القبطية لتصبح "شم"، ثم أضيفت إليها كلمة "النسيم" العربية لاحقاً لتعبر عن رقة الجو واعتدال الربيع.

لم يكن شم النسيم مجرد يوم عابر، وإنما اعتبره المصريون القدماء بعثاً جديداً للحياة تستهل به السنة المدنية نشاطها، حيث تزدان الطبيعة وتكتسي الأرض بالخضرة، وهو ما وثقته النقوش الجدارية التي صورت خروج الناس في جماعات للحدائق والحقول تملؤهم البهجة التي حضت عليها نصوصهم الأدبية القديمة، داعية إياهم لنبذ الهموم والاستمتاع بجمال الحياة. وقد ارتبطت مائدة هذا اليوم بطقوس غذائية محملة برموز عقائدية عميقة؛ إذ كانت "البيضة" هي رمز التجدد والبعث وقناة خروج الحياة، حيث نقشوا عليها أمنياتهم ووضعوها في سلال السعف لاستقبال نور الشمس عند الشروق.

أما "الفسيخ" أو السمك المملح، فكان تعبيراً عن تقديس النيل "حعبي" وعقيدة الخلق التي انبثقت من محيط مائي أزلي، وبرع المصريون في صناعته في ورش متخصصة حتى أنه ورد في البرديات الطبية كوقاية من أمراض الربيع. وإلى جانب السمك، حرصوا على تناول البصل الذي ارتبط في أساطيرهم بشفاء الأمراء من الأمراض العضال، ونبات الخس الذي رمز للخصوبة والتناسل، والحمص الأخضر "الملانة" الذي أعلن نضجه حلول فصل الربيع. إن هذا المزيج الفريد من الاحتفال بالطبيعة والمقدس جعل من شم النسيم العيد الشعبي الأوحد الذي جمع المصريين بمختلف عقائدهم عبر العصور، كما تجاوز ذلك لينتقل عبر فتوحاتهم إلى حضارات الشرق القديم كبابل وبلاد فارس، ليظل حتى يومنا هذا رمزاً للهوية المصرية التي لا تعرف النهاية، وكأنه تجسيد حي لتلك الرحلة نحو الأبدية التي آمن بها الأجداد.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8114
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.