من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

(( لغتنا التي تنزف على الجدران ))

أحمد الاكيابي
(( لغتنا التي تنزف على الجدران ))



في زمنٍ تُبنى فيه الأمم على الكلمة، تُواجه اللغة العربية، لغة الضاد والبيان والشعر والقرآن، واحدة من أخطر معاركها، لا مع الغزو الثقافي أو الاندثار، بل مع أبناء جلدتها، الذين يتنازلون عنها طوعا، في منشور، أو لافتة، أو لوحة دعائية تُعلَّق على قارعة الطريق، تخون فيها الحروفُ معانيها، وتُذبح القواعد على مذبح الجهل والاستسهال.

يكفي أن تتصفح موقع "فيس بوك" لتُصدم من حجم الأخطاء وعلى سبيل المثال:

"هاذه" بدلًا من "هذه" ، "إنشاء الله" بدلا من "إن شاء الله" ، "العالمين" بدلا من "العلمين" ، "ادعولي" بهمزة الوصل المنهارة، وكأن القواعد التي تعلّمناها صارت عبئا على الكتابة لا أساسا لها.

لم يعد الخطأ مجرد سهو، بل أصبح قاعدة جديدة لمن لا يفرّق مثلا بين "الثاء" و"السين"، إنها أخطاء تُرتكب جهارا، بلا شعور بالخجل، بل ويتجرأ أصحابها على التصحيح لمن هم يحاول لفت أنظارهم !

المؤلم أن هذه الظاهرة لم تَعُد حكرًا على الأفراد، بل امتدت إلى مؤسسات وشركات، كم من لافتة رسمية أو إعلان تجاري مرّ على أعين الناس، دون أن يراجعه لغوي واحد ؟

، كم من لافتة دعائية عجزت عن التمييز بين الهاء والتاء المربوطة ! ، شعارات رسمية مليئة بأخطاء في التنقيط والتشكيل والتركيب، والأسوأ .. أن تمرّ هذه الأخطاء دون مراجعة، وتُطبع وتُعلّق حتى تصبح رؤيتها أمراً مألوفا، وكأن اللغة باتت آخر ما يُؤخذ في الاعتبار.

والأدهى أن هذه الأزمة ليست وليدة الأمية، بل وليدة اللامبالاة، ثقافة تقول: "طالما الفكرة وصلت، مش مهم الإملاء". لكن الحقيقة أن الخطأ في اللغة ليس خطأً بسيطًا، بل هو إساءة لهويتنا، وتفريط في تراث لغوي عظيم، وانعكاس مباشر على صورة من كتب وأعلن ونشر، فاللغة ليست وسيلة للتواصل وفقط، بل هي عنوانا للفكر ومستوى التعليم وعمق الانتماء.

وإعادة إحياء ثقافة اللغة في المدارس والجامعات، لا كمادة للحفظ، بل كوسيلة للتفكير والتعبير، من أهم الحلول للتغلب على تلك الأزمة، بالإضافة إلى مراجعة لغوية إلزامية للإعلانات واللافتات من جهة رسمية تكون هى المنوط بها الإشراف على ذلك، تمامًا كما تُراجع القوانين والعقود، ولا سيما دعم مبادرات التصحيح على السوشيال ميديا، بدلًا من السخرية منها، وأخيرا إدماج قواعد الكتابة الصحيحة في برامج تدريب العاملين في الإعلام والتسويق والنشر من أهم وأبرز الحلول لتلك الظاهرة، فاللغة العربية لا تُهان إذا هاجمها أعداؤها، بل حين يهملها أهلها، ولذلك علينا أن نُدرك جميعا أن الحرف مصير، والخطأ فيه قد يفتح بابًا للعبث بالهوية، فكتاباتنا يجب أن تكون مرآة لعقولنا، لا شاهدة على تراجع عبر الزمان.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8122
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.