من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

التسويف الإبداعي

إسراء حمودة
التسويف الإبداعي



ثَمّة غُصّة تسكن صدور المبدعين حين تباغتهم الفكرة في زحام يومهم، فيودِعونها — ببراعة — في بريد ذاكرتهم التي تؤجّلها، انتظارًا للحظة صفاء قد لا تأتي أبدًا. هذا التأجيل لا يعني غياب الموهبة، بل هو قلقٌ متنكر في هيئة مثالية للنص، لم يُكتب بعد؛ خوفًا من التجربة، وحكمًا بالفشل قبل البدء.

فبمجرّد اقترابنا من الورق الأبيض، يُطلق العقل إشارة خطر، تُحذّرنا من احتمالية الفشل أو من أن يأتي النص أقلَّ من جلال الخيال، فنهرع إلى أي مُشتّت تافه، بدءًا من إشعارات الهاتف، وصولًا إلى الانغماس في أبحاث لا تنتهي بحجّة «التحضير للعمل».

هذا الهروب يترجم نفسه إلى «روتين» يومي منظّم، نمارس فيه طقوسًا توهمنا بالإنجاز، بينما هي — في الحقيقة — أسوار نبنيها حول النص؛ فنقضي الساعات في اختيار العناوين، وتخيّل الأغلفة، وكتابة الإهداءات، ونغرق في ترتيب المكاتب وشراء الدفاتر الفاخرة، معتبرين أن «التحضير للفعل» هو الفعل ذاته.

نكرّر هذا السلوك لأننا نجني منه مكافأة سامة وفورية: لذّة الراحة النفسية والنجاة من مواجهة ضعفنا على الورق؛ فالقصة داخل رؤوسنا تظل كاملةً ومقدّسة، أمّا كتابتها فتعني تعريضها للنقص.

والحقيقة التي نغفلها أننا لا نُنتج عملًا أدبيًا من فراغ؛ فالأفكار متداولة، لكننا حين نمرّ بها، نترك عليها بصمتنا فتغدو مختلفة. الفكرة ليست ملكًا خالصًا لأحد، غير أن زاوية النظر، وشعورك الخاص — تلك أمور لا يملكها سواك.

إن كسر هذه الحلقة يتطلّب شجاعة الإيمان بأن سطرًا واحدًا مشوَّهًا ننتزعه من زحام الحياة، أصدق وأبقى من معلّقات عبقرية تظل حبيسة الذهن حتى تتوه في فكرة أخرى لم تكتمل.

وقد كان نجيب محفوظ يؤكد أنه لم يجد وقتًا للكتابة إلا بالعمل الصارم والمنضبط؛ فحدّد وقتًا يوميًا للكتابة، فإن لم يجد ما يكتبه ذا قيمة، كتب أي شيء، حتى وإن بدا بلا معنى، مؤمنًا بأن وحي الكتابة لا يأتي صدفة، بل يأتي بالتعوّد.


وقد أثبتت تجارب كثيرة — نفسية وسلوكية — أن الإبداع لا ينتظر المزاج، بل يستجيب للفعل؛ فحين تُجبر نفسك على الجلوس إلى الورق، ولو بغير رغبة، يبدأ العقل في البحث قسرًا عن مخرج، فينبثق سطر، ثم فكرة، ثم خيط يتبعه خيط. الكتابة — كأي عضلة — تستجيب للاستخدام.

وحتى إن تعسّرت البداية، فإن الإلحاح عليها لا يذهب هدرًا؛ لأن الذهن، ما إن يُستفزّ بالفعل، حتى يظل يعمل في الخفاء إلى أن يفرغ ما به، فلا تنهض من مقعدك إلا وقد خرجتَ بنتيجة، قد لا تكون كاملة، لكنها ترضيك أكثر من صمتٍ لم يلد شيئًا.

فاصنع لنفسك نظامًا صارمًا، واكتب… لا لتكون كاملًا، بل لتكون حاضرًا.




التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8127
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.