من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الإبداع لا يولد من رحم التقليد

كتب: السعيد حمدي
الإبداع لا يولد من رحم التقليد



لماذا غابت التجارب الأدبية اللافتة في السنوات الأخيرة؟ سؤال يفرض نفسه بقوة على كل من يتابع المشهد الثقافي، خاصة مع حالة التشابه الواضحة بين كثير من الأعمال، وكأنها خرجت من قالب واحد لا يتغير. 


الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الإبداع هو أن تأتي بجديد، أما تكرار ما سبق والالتزام الحرفي بقواعده فما هو إلا تقليد. 

هذه ليست مجرد عبارة إنشائية، بل معيار حقيقي يمكن من خلاله قياس قيمة أي تجربة أدبية. 

فحين يتحول الكاتب إلى تابع لما كُتب من قبل، يفقد جوهر الإبداع، ويصبح مجرد صدى لا صوتًا مستقلًا. 


المشكلة لا تكمن في وجود قواعد أو مدارس أدبية، فهذه في الأصل نتاج تجارب إنسانية ثرية، لكنها لم تُخلق لتكون قيودًا أبدية. 

غير أن البعض يتعامل معها وكأنها نصوص مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو تجاوزها، فيتجمد الإبداع داخل حدود رسمها السابقون لزمان غير زماننا وذلك ما يجب الانتباه إليه خاصة ممن يتولون أمر لجان التحكيم في المسابقات الأدبية أو غيرها ممن تتولى أمر تقييم الأعمال الإبداعية أو المبدع ذاته وأن نعي جميعا المعنى الحقيقي للإبداع. 


وهنا يظهر الفارق بين مبدع حقيقي، يسعى إلى تقديم إضافة جديدة، وآخر يكتفي بإعادة إنتاج ما سبق، ظنًا منه أن الالتزام الصارم هو الطريق إلى النجاح. 

بينما الحقيقة أن التحرر الواعي، لا التمرد الأجوف، هو ما يصنع الفارق. 


وفي الشعر تحديدًا، تتجلى هذه الأزمة بشكل أوضح. فالإلقاء الطبيعي، الخارج من روح الشاعر، مهما كان بسيطًا، يظل أصدق وأجمل من أداء تمثيلي باهت متكرر، يعتمد على حيل محفوظة فقدت تأثيرها مع كثرة الاستخدام. 


أما عن معايير النجاح، فقد اختلطت الأمور في زمن السوشيال ميديا. 

فكثرة المعجبين لم تعد دليلًا على الجودة، بل قد تكون في كثير من الأحيان انعكاسًا لانتشار سطحي، لا لقيمة حقيقية، خاصة مع تراجع الذائقة لدى قطاع كبير من المتلقين. 

إن استعادة الإبداع تبدأ من الإيمان بهذه الحقيقة البسيطة: لا جديد يولد من التكرار، ولا قيمة تُصنع من التقليد. وحده المختلف هو القادر على البقاء، لأنه لا يشبه إلا نفسه.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8129
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.