من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مصر بين الذاكرة والتحول: قراءة في وعي الحرية وبدايات الحداثة

د. حسين عبد البصير
مصر بين الذاكرة والتحول: قراءة في وعي الحرية وبدايات الحداثة



ليست الرواية، في جوهرها العميق، مجرد سردٍ للأحداث أو تتبعٍ لمسار شخصيات تتحرك داخل فضاء تخييلي، بل هي في أرقى تجلياتها محاولة لإعادة صياغة العالم من خلال اللغة، وإعادة ترتيب الفوضى الكامنة في التاريخ والإنسان. ومن هذا المنظور يمكن قراءة رواية "بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي"، الصادرة عن دار "منشورات الربيع" بالقاهرة، للكاتبة والناقدة المصرية المبدعة الدكتورة هويدا صالح، بوصفها نصًا يتجاوز حدود الحكاية، ليغدو تأملًا واسعًا في معنى الحرية، وطبيعة السلطة، والتحولات العميقة التي شهدها المجتمع المصري في بدايات القرن العشرين.

إننا أمام عمل لا يكتفي بتأريخ مرحلة، بل يعيد تخليقها فنيًا، وكأن الرواية ليست مرآة للماضي، بل مختبرًا لإعادة قراءته واختباره من جديد. ومن خلال هذا المختبر، تتبدّى مصر لا ككيان جغرافي ثابت، بل ككائن حيّ يتنفس داخل شبكة معقدة من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية.

تتحرك الرواية عبر فضاءات متعددة تبدأ من القاهرة، المدينة التي تشكلت آنذاك بين حداثة وافدة وتقاليد راسخة، حيث تتنازعها السلطة الاستعمارية من جهة، والوعي الوطني الناشئ من جهة أخرى. ثم تمتد إلى أسيوط، بما تمثله من عمق صعيدي كثيف بالذاكرة الاجتماعية والروحية، قبل أن تعبر السردية حدود الجغرافيا إلى إيطاليا، حيث تتقاطع حكايات الهجرة وإرث الاستعمار، وصولًا إلى إثيوبيا، بوصفها فضاءً مكثفًا لذاكرة العبودية واقتلاع الإنسان من جذوره الأولى.

هذا الامتداد المكاني ليس ترفًا سرديًا، بل هو بنية فكرية مقصودة، تُظهر أن الإنسان في العصر الاستعماري لم يعد ينتمي إلى مكان واحد، بل صار جزءًا من منظومة عالمية من القهر وتبادل السلطة غير المتكافئ، حيث تتحول الجغرافيا نفسها إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة.

في قلب هذا العالم المركب تقف شخصية "فريدة المفتي"، بوصفها مركزًا إشعاعيًا للرواية. إنها ليست مجرد امرأة تتحدى الأعراف، بل كيان وجودي يحاول إعادة تعريف ذاته خارج القوالب الجاهزة. تنحدر من قفط في صعيد مصر، لكنها لا تبقى أسيرة المكان أو الطبقة أو التوقع الاجتماعي، بل تشق طريقها نحو القاهرة، حيث تتداخل السلطة بالمال، والفرص بالمخاطر، والحرية بالقيود غير المرئية.

تؤسس فريدة وكالتها التجارية، في فعل يبدو ظاهريًا اقتصاديًا، لكنه في جوهره تمرد على بنية اجتماعية كاملة كانت تحصر المرأة في موقع التابع. غير أن ذروة هذا التمرد لا تتجلى في الاقتصاد، بل في تأسيس "بيت الخلد"، ذلك الفضاء شديد الالتباس الذي يعيد طرح أسئلة الجسد والحرية والاختيار.

"بيت الخلد" ليس مكانًا بالمعنى التقليدي، بل هو فكرة تتجاوز الجدران إلى المفاهيم، وهو فكرة عن الجسد بوصفه مجالًا للحرية، وعن الرغبة بوصفها شكلًا من أشكال الوجود. وفيه تُعاد صياغة العلاقة بين المرأة والرجل على أساس الاختيار لا الإكراه، ما يضع النص أمام سؤال فلسفي بالغ التعقيد: هل تكفي الحرية الجسدية لتحرير الإنسان؟ أم أن الحرية أعمق من الجسد وأكثر تركيبًا من الرغبة؟

في المقابل، تقدم الرواية شخصية "إستر"، التي تمثل مسارًا فكريًا مغايرًا. فهي لا ترى الجسد مركزًا للحرية، بل تعتبر أن الوعي والمعرفة هما أساس التحرر الحقيقي. تنخرط في العمل الوطني، وتقاوم الاستعمار، وتؤمن بأن تحرير الوطن شرطٌ لتحرير الإنسان. وهكذا يتشكل حوار غير مباشر بين نموذجين للحرية: حرية فردية تنطلق من الجسد، وحرية جماعية تنطلق من الوعي التاريخي والسياسي.

هذا التوتر بين النموذجين لا يُحسم داخل النص، بل يُترك مفتوحًا، وكأن الرواية تؤكد أن الحرية ليست مفهومًا واحدًا، بل شبكة من الاحتمالات المتصارعة التي لا تستقر على تعريف نهائي.

ومن أبرز ما يمنح الرواية عمقها الثقافي حضورها الكثيف للمشهد الفني المصري في تلك الحقبة، حيث تتجلى أسماء صنعت الوجدان الجمعي، مثل نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب. هؤلاء لا يظهرون كزينة تاريخية، بل كجزء من البنية العميقة للزمن، حيث كان الفن في مصر فعل وعي، لا مجرد ترف جمالي.

إن ما تفعله الرواية، في هذا السياق، هو إعادة بناء مصر كـ"لوحة بصرية" متعددة الطبقات: طبقة سياسية تتصارع فيها قوى الاستعمار مع إرادة الاستقلال، وطبقة اجتماعية تعيد إنتاج علاقات السلطة بين الجنسين والطبقات، وطبقة ثقافية يتجلى فيها الفن بوصفه لغة للمجتمع وضميره الحي.

لكن الأهم من ذلك كله هو البعد الفلسفي الذي يشد النص من بدايته إلى نهايته. فالرواية لا تسأل فقط عن الحرية، بل عن ثمنها. لا تسأل عن الجسد فقط، بل عن معنى امتلاكه. ولا تسأل عن المرأة وحدها، بل عن الإنسان حين يُلقى به أمام ذاته بلا وسائط.

وهنا تتجلى قوة النص في أنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يراكم الأسئلة. فهو لا يدين "بيت الخلد" ولا يبرره، بل يضعه في منطقة رمادية يصبح فيها الحكم الأخلاقي غير كافٍ، ويغدو الفهم أعمق من الإدانة.

يمكن القول إن "بيت الخلد" ليست مجرد رواية عن الماضي، بل هي نص عن الحاضر أيضًا؛ عن الإنسان المعاصر الذي لا يزال يتأرجح بين الرغبة في التحرر من القيود الخارجية، والخوف من مواجهة قيوده الداخلية. إنها رواية عن الإنسان حين يكتشف أن الحرية ليست حالة نهائية، بل رحلة دائمة من الشك وإعادة التعريف.

وهكذا، تظل هذه الرواية إضافة مهمة إلى المشروع الروائي العربي المعاصر، لا لما تقدمه من حكاية فحسب، بل لما تفتحه من أسئلة، وما تخلقه من مساحات تفكير جديدة حول الإنسان، والتاريخ، والحرية، والذاكرة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8130
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.