حكاياتٌ بريئةٌ .. بيت بيوت
عندما كنَّا صغارًا، كم كانَ يطيبُ لنا أن نلعبَ لعبةَ (بيت بيوت)، وأجملُ ما في تلكَ الأيَّامِ المليئةِ بالبراءةِ، هوَ البيتُ العربيُّ الَّذي عشتُ فيهِ، في منطقةِ(الحجرُ الأسودُ) في ريفِ دمشقَ.
مازلتُ أتذكَّرُ سطحَ ذلكَ البيتِ الجميلِ، المليءِ بِ(تنَكاتِ) الزُّهورِ، كما يطيبُ لي أن أسمِّيَها وفقًا للفظِها التُّركيِّ Tenecy، حيثُ أراها أجملَ من كلمةِ (صفائحِ) العربيَّةِ الفصيحةِ، ربَّما لأنَّ كلمةَ(تَنَكَة)، توحي بالقرقعةِ، وربَّما لأنَّها متشبِّثةٌ بذاكرتي الطُّفوليَّةِ.
أعودُ إلى حكايتي البريئةِ، وأقولُ إنَّني أحنُّ كثيرًا إلى منظرِ تلكَ الزَّريعةِ في بيتِنا، وعلى سطحِهِ، وأكثرُ حنيني لعريشةِ العنبِ فيهِ، العريشةِ الَّتي كنَّا نستظلُّ بفيئِها، فعندما نلعبُ لعبةَ(بيت بيوت)، كنتُ آخذُ دورَ ربَّةِ المنزلِ، وأخوايَ ضيفانِ عندي، فأقطفُ لهما عنبًا، وأغسِلُهُ منَ الماءِ الموجودِ في برميلٍ كبيرٍ، بوساطةِ وعاءٍ بلاستيكيٍّ كانتْ تستخدِمهُ أمِّي -رحمها الله- لسقايةِ زُهورِها، ثمَّ أصفِّي الماءَ، وأقدِّمُهُ في الوعاءِ ذاتِهِ، وأقولُ لهُما مُقلِّدةً الكبارَ:
تفضَّلوا كلوا، ليش مستِحِيِّين، ما في شي من قيمتكن!
فنأكلُ من ذاكَ العنبِ الصَّغيرِ المُدوَّرِ الحبَّةِ، الحُلوِ الطَّعمِ، وحينَ ننتهي منَ الأكْلِ، تنتهي اللعبةُ، ويذهبُ كلُّ واحدٍ، ليلعبَ ما يريدُ سواءٌ على السَّطحِ، أو ينزلُ إلى غُرفِ المنزلِ.
مرَّتْ سنواتٌ كثيرةٌ على تلكَ الذِّكرياتِ، اشتريتُ خلالَها الكثيرَ من أنواعِ العنبِ، لكنْ لم أشعرْ أنَّ ما تذوَّقتُهُ، يفوقُ طعمَ ذلك العنبِ الَّذي أكلتُهُ في طفولتي؛ ليسَ فقطْ بسببِ الحنينِ، بلْ لأنَّ تلكَ العريشةَ النَّفيسةَ كانَ قدْ غرَسَها أبي!
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك