من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الحصار البحري الأمريكي.. فشل استراتيجي

خالد شحاتة
الحصار البحري الأمريكي.. فشل استراتيجي

تحت ركام الإخفاقات السياسية والعسكرية، يطلّ الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية في مضيق هرمز كوجهٍ مكشوفٍ لـ«الفشل الاستراتيجي» الذي تعثّر في إخضاع طهران، لا كأداة قوة ناجحة، بل كمحاولة يائسة لإعادة ترتيب يدٍ فقدت توازنها في حوار المصالح والتهديدات في الخليج.


الحصار البحري: بين الحصار النفطي والانعكاسات الجيوسياسية

أدخلت الولايات المتحدة، تحت إدارة الرئيس ترامب، حصاراً عسكرياً شبه كامل على جميع السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية على الخليج والخارجة منها، بما في ذلك موانئ خرج وبندر عباس وغيرها، مع السماح لمرور السفن المتجهة إلى موانئ غير إيرانية عبر مضيق هرمز نفسه.

هذه الخطوة لا تُعد مجرد تطبيق لعقوبات اقتصادية، بل تمثل تحولاً حاداً في النهج الأمريكي من «الضغط الأقصى» إلى «الحصار البحري المباشر»، بما يحمله ذلك من مخاطر الاحتكاك مع الأسطول الإيراني وقوات الحرس الثوري، واحتمال تحوّل الممرات البحرية إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

في اليومين الأوليين من الحصار، أظهرت الصور والاستطلاعات أن حركة السفن المرتبطة إيرانياً شبهت الخروج من الممر المائي الحيوي، بينما ظل ممر محدود للسفن التي لا تتعامل مع موانئ إيرانية، ما أبرز حجم الاعتماد الإقليمي على قناة هرمز في تدفق النفط والطاقة إلى الأسواق العالمية.

أي توقف أو تضييق في هذا الممر يُهدّد بتحريك أسعار النفط، ويزيد الضغط على الدول المستوردة للطاقة، خصوصاً في آسيا وأوروبا، ما يحوّل حصار إيران إلى سلاح مزدوج الاتجاه: يضغط على طهران، لكنه يجرّ العالم بأكمله إلى مخاطر اقتصادية قد تفوق التصعيد العسكري المباشر.

من «الضغط الأقصى» إلى الحصار البحري


الحصار البحري لا يُقرأ بمعزل عن تجربة «الضغط الأقصى» التي اتبعتها واشنطن على إيران منذ سنوات، وشملت عقوبات قاسية على النفط، والقطاع المصرفي، والشركات المدنية والعسكرية، مع رفع مستوى التصعيد في لغة التهديدات واستهداف رموز القيادة الإيرانية.

لكن هذه السياسة لم تُفضِ إلى نتائج مرجوة على مستوى تغيير نهج السياسة الخارجية الإيرانية أو تفكيك بنيتها الأمنية، بل أظهرت أن إيران نجحت في بناء شبكة متشعبة من الموارد البديلة، وشبكة ميليشيات وحلفاء في المنطقة، وتطوير قدراتها الصاروخية والمسيرات التي تُستخدم في الضغط المعاكس على الحلفاء الأمريكيين في الخليج.

من هذا المنظور، يُصوَّر الحصار البحري الجديد كـ«تصعيد من موقع العجز»؛ فالولايات المتحدة لم تعد تجد مسارات تفاوضية أو ضغطٍ غير مباشر قادرة على تحقيق أهدافها، فتلجأ إلى إخراج أخطر مقومات القوة في الخليج إلى العلن: السيطرة على الممر المائي الحيوي الذي يحمل نحو ثلث النفط العالمي.

لكن هذا الخيار يحمل أيضاً رسالة للرأي العام العالمي: أن واشنطن لم تعد تمتلك أدوات «ناعمة» كافية، وأن استراتيجيتها في الشرق الأوسط تواجه توازنا متزايداً بين القوة العسكرية المباشرة والانعكاسات الاقتصادية غير المحسوبة.


خطاب طهران: الحصار من رماد الفشل


في الإعلام الإيراني والمقرب من الدولة، يُقدَّم الحصار البحري كدليل على أن «الرماد الاستراتيجي» الذي خرجت منه واشنطن يُعلِن عن إخفاق مسارٍ طويل من السياسات التي راهنت على الانهيار الداخلي السريع لإيران أو على تغيير نظامها عبر الضغط أو التفجيرات أو الاغتيالات.

هذا الخطاب يركّز على أن إيران تحولت من موقع الدفاع إلى موقع القوة المزعزعة للنظام الإقليمي، حيث تمتلك قدرة فعلية على إغلاق قنوات الطاقة أو تهديدها، وفرض تكلفة استراتيجية على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.

الوصف الذي استخدمته صحيفة طهران تايمز – «الحصار ينبع من رماد الفشل الاستراتيجي» – يعكس رؤية تحليلية تعتمد على فكرة أن التصعيد الأمريكي لا يُعبّر عن قوة مطلقة، بل عن تراجع خيارات واشنطن، وانزلاقها نحو أدوات أكثر خطورة واقل تحكماً في النتائج.

وهو خطاب يُخاطب القارئ بصورة مزدوجة: فهو يُقدّم طهران كفاعل استراتيجي لا يُستهان به، وفي الوقت نفسه يُرسّخ صورة واشنطن كقوة تعمل من وضع دفاعي، تخاطر بثبات النظام الاقتصادي العالمي للضغط على خصم لم يعد ينهار بسهولة أمام العقوبات.


ما الذي يعنيه ذلك للقارئ؟


أولاً، أن الحصار البحري ليس مجرد خبر اقتصادي، بل هو تحوّل محوري في توازن القوة في الخليج، قد يفتح الباب أمام مواجهات مباشرة أو حوادث غير محسوبة في ممر مائي حساس.

ثانياً، أن خطاب طهران يهدف إلى ترسيخ صورة «الصمود الإيراني» في مواجهة إمبراطورية تُستخدم أسلحتها النفسية والاقتصادية قبل أن تلجأ إلى الحرب المباشرة.

ثالثاً، أن القارئ أمام مشهد يختلط فيه النفط واللاجئين والتفاوض والتصعيد، ويجب أن يقرأ الحصار على مضيق هرمز كـ« earthquake» جيوسياسي: قد يُعيد رسم حدود التحالفات، ويبعث على مخاوف تؤثر على أسعار الوقود، والاستثمارات، وحتى على سياسات الطاقة في دول العالم الثالث.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8147
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.