من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مواطن فلبيني يجسد جرائم الاحتلال الياباني على جسده في الحرب العالمية الثانية

القاهرة : خالد شحاتة
مواطن فلبيني يجسد جرائم الاحتلال الياباني على جسده في الحرب العالمية الثانية

في الفلبين، يعيش رجل مسن تظهر على ملامحه وجلده قصة شعبٍ كادت أن تمحيَ من ذاكرة التاريخ.

وعلى عنقه ترتفع ندبة غائرة، عميقة، كأنها حرفٌ محفور في جسد، لا يُقرأ إلا بدموع وصمت.

تعود هذه الندبة إلى عام 1945، حين كان ذلك الشاب آنذاك ضحية في مجزرة مانيلا البشعة، حيث حاول جندي ياباني قتله بدم بارد، فنجا بروح أقوى من السيف، لكنه خرج من المذبحة ونجمه على جسده يشهد بما لم تستطع الكلمات أن تصفه.

تُعد مذبحة مانيلا واحدة من أبشع كوارث الحرب العالمية الثانية في آسيا، حيث ارتكبت القوات اليابانية خلال أسابيع قليلة – تمتد من فبراير إلى مارس 1945 – مجازر جماعية ضد المدنيين الفلبينيين، نتج عنها مقتل ما يُقدَّر بنحو 100 ألف مدني، بينهم نساء وأطفال وكبار سِن، في مسلسل من القتل العشوائي، والاغتصاب، والحرق للمباني السكنية، وتفجير المستشفيات والأماكن المدنية.


 لم تكن هذه الأحداث مجرد “جرائم حرب” عابرة، بل تشكل جرائم حرب موثقة، وردت في تقارير ما بعد الحرب، وتم تصنيفها ضمن الجرائم التي ارتكبتها القوات اليابانية في الفلبين خلال فترة الاحتلال. 

في هذه الخلفية الدامية، تبرز ندبة الرجل المسن كرمز تاريخي مكثف. إنها لا تُشير فقط إلى ندبة جسدية بسيطة، بل إلى معاناة جيل كامل، وذاكرة شعبٍ تُعذَّب، وحاضرٍ يحاول أن يفهم كيف تتحول المدينة إلى ساحة إعدام، وكيف يصير الإنسان في عين المعتدي مجرد رقم في قائمة الموتى. 

ما بين الخطوط العميقة في عنقه وبين الصور المحفوظة عن مذبحة مانيلا، نجد تسلسلاً واحداً: من رجلٍ فرد يُحاول النجاة، إلى مدن بأكملها تُحْصَد أرواحها، إلى رسالة متأخرة للعالم: أن الحرب لا تُقاس بالأرقام وحسب، بل بتلك الندوب التي تظل في الجسد والذاكرة.

قصة هذا الناجي، حتى لو كانت صياغتها اليومية تميل إلى التصوير الأدبي، تظل في جوهرها مستندة إلى حقائق تاريخية واقعية.

فهناك عشرات إن لم تكن مئات الشهادات الشفوية، والصور، والتقارير التي توثق ما حلَّ بالفلبينين أثناء الاحتلال الياباني، وما أعقبه من مجازر في مانيلا، ودمار مدن، وتشريد أسر بكاملها. 

الندبة على عنقه، إذن، ليست مجرد صدفة جسدية، بل صورة مكثفة لبصمة عدوان دام 3 سنوات تقريباً في الفلبين، وترك جرحاً عميقاً في البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد حتى بعد خروج اليابان. 

بهذا المعنى، تتحول ندبة المسن إلى رسالة صامتة للجيل الجديد: فهي لا تطالب فقط بالذكى، بل باليقظة. فهي تذكّر بأن بشاعة العدوان الياباني لم تكن جرائم  منعزلة، بل جزءاً من سلسلة جرائم حرب امتدت في آسيا، ودمَّرت مدن، وهشَّمت عائلات، وتركت خلفها أجيالاً تُعاني من صدمة متعددة الأجيال.

وعندما يقرأ القارئ عن مذبحة مانيلا، وعن أكثر من 100 ألف ضحية مدني، وسط بلدٍ كان تحت الاحتلال الياباني منذ 1942، فإنه لا يقف فقط أمام رقم إحصائي، بل أمام سؤال معلَّق في الهواء: كيف تُمنع أحداثٌ مثل هذه من التكرار؟

ومن هنا، فإن الندبة على عنق هذا الرجل المسن، في صياغة أكثر جاذبية، تصبح نافذة بصرية ورمزية تُقرب الكارثة من القارئ العادي.

فبدلاً من أن يتصور المجزرة كحدث ضخم في الكتب، يجدها مُجسَّدة في جسد إنسان، في عينيه حين يرفع نظره، وفي صوته حين يتحدث، وفي صمتة الطويل الذي يسبق أي كلمة.

هذه  ليست مجرد شهادة على ما مضى، بل تحذير من استنساخ الماضي، ودعوة مستمرة لحماية الإنسان، واحترام كرامة الحياة، مهما كان ثمن الحروب ومهما كانت مبررات  الصراع. #نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8153
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.