من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

مدينة " لبدة " الليبية.. هدية الفينيقيين للثقافة والحضارة والتراث

خالد شحاتة
مدينة

لبدة الكبرى: جوهرة رومانية خالدة تتراءى من رحم التاريخ


في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، حوالي عام ٦٥٠ ق.م، رسا الفينيقيون القدماء، أولئك التجار البحريون الأماجد من مدينة صور اللبنانية، على شواطئ البحر المتوسط الليبي الشرقية، حيث يلتقي مصب وادي لبدة بالمياه الزرقاء. هناك، أسسوا لبدة الكبرى (Leptis Magna)، الميناء التجاري الطبيعي الذي سرعان ما تحول إلى واحدة من أعظم المدن في شمال أفريقيا، مزدهرًا بفضل موقعه الاستراتيجي شرق مدينة الخمس الحديثة.

مع دخول الرومان عام ٤٦ ق.م.، شهدت المدينة تحولًا مذهلاً، لتصبح "رومَا الثانية" في أفريقيا. بلغت ذروة مجدها في عهد ابنها البار سيبتيموس سيفيروس (١٩٣-٢١١ م.)، الإمبراطور الليبي الأصل الذي أغدق عليها مشاريع عمرانية استثنائية: قوس النصر المهيب المكرم له، المسرح الضخم الذي يتسع لـ٧٠٠٠ متفرج مع إطلالة بحرية ساحرة، الحمامات الإمبراطورية الفسيحة، والمرفأ الاصطناعي الذي ربطها بإمبراطورية تمتد من بريطانيا إلى الشرق الأقصى.


هذه الإنجازات جعلتها نموذجًا للعمارة الرومانية الكلاسيكية، محافظة على تفاصيلها الأثرية بنسبة تفوق ٩٠٪ في بعض الأجزاء، مما يجعلها أحد أفضل المواقع الأثرية حفظًا في العالم.


لم تقف عجلة التاريخ عند الرومان؛ فقد خضعت لبدة للبيزنطيين في القرن السادس الميلادي تحت قيادة جستنيان، ثم استقبلت الفتح الإسلامي العربي عام ٦٤٣ م. على يد عقبة بن نافع، قبل أن تتلاشى أضواؤها تدريجيًا بفعل الغزوات الوندالية والعواصف الرملية والتغيرات المناخية.

اليوم، تتربع كـ"موقع لبدة الأثري" على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ ١٩٨٢، وهي تشهد جهودًا حديثة للحفاظ عليها رغم التحديات الأمنية والإهمال السابق، مما يدعو إلى زيارتها كرحلة عبر العصور.


يبرز المسرح الروماني كرمز حي لعز المدينة، حيث تتجسد في صفوفه الحجرية وأعمدتها المهيبة قصة حضارة عظيمة، تطل على البحر كأنها تدعو الزائرين لاستكشاف أسرارها الخفية.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8159
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.