لغز آيسلندا: الجزيرة الخالية من البعوض... حتى الآن!
تُعد آيسلندا واحة نادرة في عالم مليء بأسراب البعوض المزعجة، حيث تفتقر تمامًا إلى هذه الحشرات الطفيلية رغم برودة مناخها القارس.
قد يظن البعض أن السبب الرئيس هو فصل الشتاء الطويل والصقيع الشديد، لكن هذا تفسير سطحي؛ فغرينلاند واسكتلندا، اللتان تشتركان في درجات حرارة منخفضة مماثلة، تعانيان سنويًا من غزو هائل للبعوض يصل إلى ملايين الحشرات في موسم الصيف.
الحقيقة العلمية تكمن في التقلبات المناخية السريعة التي تميز آيسلندا. هذه الجزيرة الشمالية تشهد دورات متكررة من التجمد السريع والذوبان الفجائي، ناتجة عن تأثير تيار الخليج الدافئ (Gulf Stream) الذي يجلب تيار هواء رطبً و دافئ يصطدم بالرياح القطبية الباردة.
هذه الدورات تمنع تكوّن المياه الراكدة الدافئة نسبيًا – الشرط الأساسي لدورة حياة البعوض.
البعوض، لكي يتكاثر، يحتاج إلى برك مائية مستقرة تحت درجة حرارة تتراوح ما بين 10-30 درجة مئوية لمدة أسابيع، حيث تضع الإناث بيضها (حوالي 200-300 بيضة لكل دورة) الذي يفقس إلى يرقات تحتاج 7-10 أيام للنمو قبل التحول إلى حشرات بالغة.
في آيسلندا، تتجمد هذه البرك فجأة أو تتبخر بسرعة، مما يقضي على اليرقات قبل بلوغها مرحلة البلوغ.
كما ساهمت تركيبة المياه الفريدة في آيسلندا، الغنية بالمعادن مثل الكبريت والسيليكا الناتجة عن النشاط البركاني المتواصل (حوالي 30 بركانًا نشطًا)، في جعل البيئة غير صالحة للبعوض. دراسات من جامعة آيسلندا أشارت إلى أن مستويات الحموضة المنخفضة (pH قريبآ من 7-8) وغياب العناصر الغذائية الضرورية لليرقات تجعلها تتجنب هذه المياه.

ظهور البعوض في أيسلندا لأول مرة يثير الدهشة ويحذر من التغيرات المناخية
لكن هذا الاستثناء الطبيعي يواجه تهديدًا حقيقيًا اليوم. في أواخر عام 2025، سجّلت السلطات الآيسلندية أول حالات موثقة لظهور بعوض فردي في المناطق البرية الجنوبية، خاصة قرب بحيرة Þórsmörk.
أفادت قناة "آر يو في" التلفزيونية الأيسلندية بظهور البعوض لأول مرة في تاريخ البلاد، في حدث غير مسبوق أثار اهتمام العلماء والسكان على حد سواء.
أوضحت أن الاكتشاف بدأ من منشور على مواقع التواصل الإجتماعي نشره المواطن بيرل هيلياتسون، الذي رصد البعوض في 16 أكتوبر الماضي، وقام بتسليمه إلى المعهد الأيسلندي للتاريخ الطبيعي لفحصه.
ويُعزى ذلك إلى ظاهرة الاحتباس الحراري، الذي رفع متوسط درجات الحرارة في آيسلندا بنحو 1.5 درجة مئوية خلال العقود الأخيرة (وفقًا لتقرير IPCC 2023)، مما أدى إلى ذوبان الجليد بشكل أسرع وتكوّن برك مستقرة لفترات أطول.
أشارت إلى أن "هذه المرة الأولى التي يُسجل فيها وجود بعوض في أيسلندا، وهذا النوع قادر على التكيف مع الظروف الباردة".
خبراء يحذرون من أن هذه "الأفواج الأولى" قد تتحول إلى غزو كامل بحلول 2030 إذا استمر الاحترار، مما يهدد التنوع البيولوجي الفريد للجزيرة.
آيسلندا تذكّرنا بتوازن الطبيعة الهش: بيئة غير مستقرة تحميها من اليوم، لكن تغير المناخ قد يغير قواعد اللعبة إلى الأبد.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك