من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

تعرف على أصل كلمة " مصاري " في التعامل النقدي بالبلدان العربية

القاهرة : خالد شحاتة
تعرف على أصل  كلمة

سرّ "مصاري" و"فلوس": رحلة النقود عبر التاريخ الشامي والمصري


في أزقة بيروت ودمشق القديمة، لا يزال صدى كلمة "مصاري" يتردد بين التجار والناس العاديين، مرادفاً للثراء أو الفقر اليومي. هذه الكلمة ليست مجرد لهجة محلية، بل شاهد تاريخي حي على حملة عسكرية غيّرت الوضع الاقتصادي في بلاد الشام.

خلال الفترة من 1831 إلى 1840م، قاد إبراهيم باشا – ابن الوالي المصري محمد علي باشا – بضم بلاد الشام، حاملاً معه خزائن مليئة بعملات مصرية فضية وذهبية، مثل "القرش المصري" أو "البارة".

سُكّت هذه العملات في دار السكّ الشهيرة بالقلعة في القاهرة، وسرعان ما انتشرت في أسواق دمشق وحلب وصيدا،  وحلت محل العملات العثمانية التقليدية مثل "القندي" أو "المتقال".

"مصاري"، جمع "مصري" أو "مصارية"، أصبحت بذلك رمزاً للنقود المتداولة، المتجذرة في الذاكرة الشعبية حتى اليوم في لبنان وسوريا وأجزاء من فلسطين والأردن، رغم مرور قرون .

قبل ضم الشام، كانت العملة المصرية معروفة في العهد العثماني، إذ أنتجت مصر كميات هائلة من القروش الفضية عالية النقاء (حوالي 11 جراماً للقرش الواحد)، مما جعلها مفضلة لدى التجار الشاميين بسبب استقرارها مقارنة بالعملات الأخرى المتفاوتة الجودة.

ومع ذلك، فإن حملة إبراهيم باشا كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، حيث فرضت الإصلاحات الإدارية والضرائب المصرية نظاماً نقدياً موحداً، مما رسخ الاسم الجديد في البيئة الشامية.

هناك روايات إضافية تربط "مصاري" بالجنيه المصري الورقي خلال فترة الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى، لكن الجذور الأعمق تعود إلى تلك الحقبة العثمانية-المصرية .

أما في مصر نفسها، فيختار أهلها تعبيراً مختلفاً تماماً: "فلوس"، جمع "فلس". هذه الكلمة تنحدر من أصول يونانية قديمة، مستمدة من "obol" أو "φολις" (pholis)، وهي عملة نحاسية صغيرة جداً (قيمتها أقل من جرام واحد) استخدمت في العصور الكلاسيكية ثم انتقلت عبر الإمبراطورية البيزنطية إلى العصر الإسلامي والعثماني.

في مصر، أصبح "الفلس" النحاسي الرمزي للوحدة النقدية الصغرى، مقابل القروش الفضية والدنانير الذهبية، ويُقال إن اسمها جاء من شكلها الدائري الشبيه بقشرة السمكة في اليونانية.

هذا التباين اللغوي ليس مصادفة؛ إنه انعكاس لتاريخين اقتصاديين متشابكين: الشامي المفتوح على التأثيرات المصرية، والمصري الموروث من التراث الهلنستي والعثماني 

بهذه الطريقة، تكشف كلمتان بسيطتان عن جذور تاريخية عميقة: غزوات عسكرية، إصلاحات اقتصادية، وتأثيرات ثقافية عابرة للحدود. فالنقود ليست مجرد معدن، بل قصص تاريخية ترويها الألسنة عبر العصور. 

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8177
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.