من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

فن الممكن عند رجال الدولة

بقلم أحمد لملوم _خبير سياسي ومحلل استراتيجي
فن الممكن عند رجال الدولة




 البحر ليس مجرد ماء مالح، واليابس ليس مجرد تراب. الحكاية كلها في "النافذة". والنافذة في لغة الجغرافيا هي الميناء. وإيران، ذلك الكيان المسكون بعبق التاريخ وضجيج السياسة، تدرك أن من يملك المفتاح يملك الممر، ومن يملك الممر يملك المصير.

​إنهم هناك، عند "بندر عباس"، يرقبون مضيق هرمز. ذلك الزقاق المائي الضيق الذي يمر منه نبض العالم الطاقوي. في "بندر عباس" تشعر أن الزمان يتوقف قليلاً ليلتقط أنفاسه؛ السفن العملاقة تمر كالجبال الصامتة، وكل جبل منها يحمل في أحشائه وقوداً لتدفئة بيوت في "لندن" أو تشغيل مصانع في "طوكيو". لكن الإيراني لا ينظر للميناء كمرسى للسفن فحسب، بل كنقطة ارتكاز في لعبة "شطرنج" كبرى، حيث كل نقلة محسوبة، وكل "فرقاطة" هي قطعة في بروتوكول القوة.

​رحلة إلى "تشابهار".. حيث تلتقي الأحلام

​وعلى مقربة من الحدود الباكستانية، تجد "تشابهار". هذا الميناء ليس مجرد رصيف ورافعات، بل هو "رئة" بديلة. الإيراني ذكي، لا يحب أن يضع بيضه كله في سلة هرمز التي قد تنكسر في أي لحظة بضغط دولي أو حماقة عسكرية. في "تشابهار"، تمد إيران يدها للهند، وتفتح نافذة لأفغانستان ودول وسط آسيا الحبيسة.

​إنه الهروب من "خناق" الجغرافيا إلى رحابة المحيط الهندي. هناك، يختلط طعم التوابل الهندية برائحة السجاد الإيراني، وتصبح السياسة مجرد "تاجر" شاطر يعرف كيف يلتف حول العقوبات بابتسامة غامضة.

​في الشمال.. هدوء "بندر أنزلي" الخادع

​وإذا رحلت شمالاً، ستجد وجهاً آخر. في "بندر أنزلي" على بحر قزوين، لا توجد أمواج صاخبة كالتي في الجنوب، لكن هناك "همس" روسي مسموع. هذا الميناء هو بوابة إيران نحو الشمال، نحو "موسكو" وأوروبا الشرقية. هنا، الموانئ ليست للتصدير فقط، بل هي ممرات "سحرية" لتبادل المصالح بعيداً عن أعين الرقيب الغربي.

​"الميناء في العقل الإيراني هو بوابة خروج حين تضيق الدروب، وهو ذراع تمتد لتلامس شواطئ بعيدة، من المتوسط إلى القزوين."

​فلسفة الموانئ.. بعيداً عن الأرقام

​الحقيقة أن استخدام إيران للموانئ يعكس عقلية "الحاوي" الذي يعرف كيف يُخرج الأرنب من القبعة. ميناء "بوشهر" ليس فقط للنفط، بل هو جيرة قلقة لمحطة نووية. وميناء "الإمام الخميني" هو العمود الفقري للتموين.

​إنها شبكة معقدة من المصالح، حيث يتحول الميناء من مجرد منشأة اقتصادية إلى "خندق" سياسي. هم لا يبنون أرصفة، بل يبنون "نفوذاً". وبقدر ما تغلق القوى العظمى الأبواب، يبتكر الإيرانيون "موانئ" جديدة، ربما ليست كلها على الخريطة، فبعضها في دهاليز الاتفاقيات السرية والخطوط الملاحية التي لا ترفع علماً واضحاً.

​البحر واسع، والأشرعة الإيرانية تجيد الرقص مع الريح، حتى لو كانت الريح عاصفة. فالمهم ليس أين ترسو السفينة، المهم هو ماذا تحمل في جوفها، وإلى أي "عقل" تنتمي.


الخلاصة: السلطة الحقيقية هي أن ترسو في الميناء الذي يخشى الجميع دخوله، ثم تقنعهم بأنك كنت هناك للنزهة لكني أوجه رسالة لدونالد ترمب وأقول له أصعب ما في السياسة ليس أن تجد ميناءً ترسو فيه سفينتك، اصعب ما في السياسة أن تجد رصيفاً لا تغرق فيه حين تهب العاصفة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8199
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.