من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

هل الأبوة تمحو الأنانية؟

القاهرة: خالد بيومي
هل الأبوة تمحو الأنانية؟

في كتابه المشهور حياة بلا أب، يفتح ديفيد بيوبينوي صفحة حساسة ومليئة بالعاطفة عن تحوّل الرجل من شاب يعيش لذاته إلى زوج وأب يحمل على كتفيه مسؤولية حياة أخرى كاملة.

إنه كتاب لا يتحدث فقط عن “الزواج” و“الأبوة” ككلمات اجتماعية مألوفة، بل يكشف عن تحول داخلي عميق في شخصية الرجل، يتحول فيه قلبه وعقله قبل أن تتغير عاداته.


الزواج: من الأنانية إلى التضحية


يعرض بيوبينوي كيف أن الزواج يسحب الرجل برفق، لكن بحسم، من قفص الذات الضيق إلى فضاء أوسع من المسؤولية، فبعد أن كان يفكّر في ملابسه، وعمله، وسهراته، يبدأ فجأة يفكر في راحة الزوجة، ومستقبل الأسرة، واستقرار البيت.

يتحول الزواج إلى “مدرسة” صارمة لكنها ناعمة تُعلّم الرجل: الحصافة بدل الاندفاع، الصدق بدل التملّص، والثقة بدل التشكّك.

الزوج الغارق في الملذات، يبدأ تدريجيًا يتعلّم أن يضع مصلحة الآخر قبل نزواته، وأن يصبر على المشاكل بدل  الهروب منها.

الزواج لا يغيّر الرجل دفعة واحدة، لكنه يُشكله يومًا بعد يوم، كأن يُنقش على قلبه نصا جديدًا: “السعادة لا تُبنى على ما تأخذه، بل على ما تُعطيه”.


الطفل الأول: نقطة التحوّل في حياة الرجل


يتتبع بيوبينوي، استنادًا إلى دراسات مطوّلة عن حياة الرجال قبل وبعد الأبوة، أنّ المولود الأول لا يُغيّر أثاث البيت فقط، بل يُغيّر خريطة شخصية الأب من الداخل. قبل الأبوة، غالبًا ما تدور هوية الرجل حول ذاته: عمله، مكانته الاجتماعية، أصدقاءه، مغامراته، وانعكاسه الجذّاب على من حوله. هو “الذات” في قلب الدائرة، والعالم في الخارج.

لكن بمجرد ظهور الطفل في حياته، تنهار هذه الدائرة وتُعاد رسمها.

يرى الرجل في عيني طفله صورة مصغرة من نفسه، لكنها أكثر هشاشة، وأكثر احتياجًا للحماية ، فتبدأ داخله معركة بين “الرجل الذي كان” و“الرجل الذي يحتاج أن يصبح”.


تظهر في شخصيته لون جديد: الرعاية، التضحية، الحماية. يتخلى بدل أن يأخذ، يركض بدل أن يهرب، ويصبر بدل أن ينفجر.


من الأنانية إلى نضج الرجولة


يكشف البحث العلمي الذي يستشهد به بيوبينوي أن الأبوة تُسرّع نضج الذكور بعد المولود الأول. فالرجل الذي كان يرى في حياته سلسلة من المغامرات، يبدأ يرى فيها سلسلة من المسؤوليات.

يهدأ اندفاعه، وتقلّ مخاطراته، ويفاضل بين الأولويات، لأنّه يشعر أنّه لم يعد يُعرّض نفسه فقط للخطر، بل يُعرّض أسرة كاملة.

الهرمونات تتغير، وال.instant الرجولة تُعاد تعريفها:

فالرجولة لم تعد تُقاس بالقوة الجسدية أو الجرأة المتهوّرة، بل بالقدرة على التحمل، والصبر، والصمت حين يُحتاج، والكلمة اللطيفة حين تزداد الضغوط.

كثير من الرجال يلاحظون هذا التحوّل ولا يفهمونه، بينما بيوبينوي يضع أمامهم المرآة: “هذا تحوّل نضج، لا فقدان حرية”.


الزواج والأبوة: مثال حيّ يُبنى أمام الأبناء


يُشدّد بيوبينوي على أن إنجاب الأطفال في إطار زواج مستقر يدفع الرجل إلى أن يُصبح نموذجًا حيًا لأبنائه، لا مجرد والد يعطي الأوامر.

يُصبح إصراره على العمل الجاد، التزامه بالصدق، وتحدّيه للسلوكيات غير المسؤولة جزءًا من درس يومي صامت يتعلمه الأبناء من خلال ملاحظته.

الرجل الذي كان يقبّل زوجته قبل أن يُغادر، يُدرك فجأة أن هذا القُبلة الصغيرة قد تُصبح في عيون طفله صورة عن “الرجل الذي يحترم زوجته”، و“العائلة التي تعيش في استقرار ”.

كل قرار يتخذه بعد الأبوة يحمل في عينيه جانبًا: “كيف سيُفهم هذا من قبل طفلي؟”، وهكذا يتحول التفكير في المسؤولية إلى عادة، ثم إلى أسلوب حياة.

خلاصة عاطفية: رجل يولد مرتين

يُمكن القول إن بيوبينوي يقدّم في "حياة بلا أب"  رؤية مؤثرة مفادها : أن الرجل يولد مرتين؛ المرة الأولى في لحظة ولادته الجسدية، والثانية في لحظة أول مولود يحمله في قلبه قبل أن يحمله بين ذراعيه. 

وحين يتخلى الرجل عن الأنانية المفرطة، لا يخسر حريته، بل يكسب إنسانيته.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8213
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.