منطق الحرب العالمية الأولى: تدمير قدرات العدو يمكن أن يمنع شرا كبيرا
تكشف الحرب العالمية الأولى عن تحوّل خطير في طبيعة الوعي الجمعي أثناء الصراعات الكبرى، إذ لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش نظامية، بل أصبحت إطارًا شاملًا لإعادة تشكيل نظرة المجتمعات إلى الذات والآخر. ففي أجواء التعبئة الشاملة، لم يعد الخصم يُرى بوصفه طرفًا سياسيًا أو عسكريًا يمكن التفاوض معه أو احتواؤه، بل جرى تقديمه كـتهديد وجودي يستدعي إلغاء كل مسافة أخلاقية معه.
ومن هنا نشأت ثقافة “العدو المطلق”، وهي ثقافة تقوم على نزع الإنسانية عن الطرف الآخر، وتبرير أي فعل ضده باعتباره ردًا مشروعًا على خطر يفوق كل اعتبار.
هذا المنطق لم يقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل ساهم في محو الحدود بين المدني والعسكري، لأن الحرب الحديثة لم تعد تستهدف الجيوش وحدها، بل البنية الاجتماعية والاقتصادية والمعنوية للدولة الخصم.
وبهذا المعنى، تصبح المجتمعات نفسها جزءًا من آلة الحرب، سواء عبر الإنتاج أو الدعاية أو الدعم الرمزي أو التعبئة النفسية، وهو ما يجعل المدنيين داخل دائرة الاستهداف الفعلي أو الرمزي على السواء. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: كلما اتسعت الحرب وصار المجتمع كله معبأً ضد “العدو”، تراجعت القدرة على الاعتراف بإنسانيته، وأصبح العنف ضد غير المقاتلين قابلاً للتسويغ أخلاقيًا تحت ذرائع الضرورة.
ويعمل مبدأ “أهون الشرور” بوصفه أحد أخطر آليات الشرعنة في هذا السياق؛ إذ يُقدَّم الفعل العنيف باعتباره مؤلمًا لكنه ضروري، وغير أخلاقي في ظاهره لكنه، في الحساب النهائي، أقل كلفة من بديل أشد سوءًا.
غير أن خطورة هذا المنطق أنه يوسّع باستمرار هامش التبرير، فيجعل الاستثناء قاعدة، ويحوّل الفعل المدان إلى أداة مقبولة طالما أُلصق به هدف استراتيجي أعلى.
وهكذا لا يعود السؤال: هل هذا الفعل مشروع أم لا؟ بل يصبح: هل حقق الغاية المرجوة؟ وفي هذه النقطة تحديدًا يبدأ التآكل الأخلاقي الحقيقي، لأن القيمة الإنسانية تُختزل إلى نتيجة سياسية أو عسكرية.
أما في الزمن الرقمي، فقد انتقلت هذه البنية الذهنية إلى الفضاء العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتنامى الخطابات العدوانية لدى بعض الأصوات التي تصوّر نفسها كضحايا دائمين لعداء عالمي شامل، بينما تمارس في الوقت نفسه لغة هجومية إقصائية لا تقل حدّة عن الخطاب الذي تدّعي مقاومته.
هذا التناقض ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس أزمة أعمق في تمثّل الذات والآخر: فحين تُبنى الهوية على الشعور المستمر بالحصار، يصبح الهجوم دفاعًا، والشتيمة موقفًا، ورفض النقد دليلًا إضافيًا على المظلومية. وهكذا تتكون دائرة مغلقة من الضحية التي تتغذى على العدوان، والعدوان الذي يستمد شرعيته من ادعاء الضحية.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك