عرش الفقيه
يُصر أنصار نظرية ولاية الفقيه العامة على أنها ليست ابتكارًا حديثًا، بل جذورها تمتد عبر تاريخ الفقه الشيعي الطويل، مدعين أنها حظيت بتبني فقهاء كبار منذ العصور الأولى، وأن بعضهم بلغ بالأمر حد الإجماع عليها. يستشهدون بأقوال متفرقة من فقهاء مثل الشيخ الطوسي (ت460هـ) في "المبسوط"، أو الشهيد الأول (ت786هـ) في "اللمعة"، معتبرينها امتدادًا طبيعيًا لمفهوم "ولاية الولي" في غيبة الإمام المهدي.
لكن الحقيقة التاريخية تكشف وجهًا آخر: ولاية الفقيه العامة بحث مستحدث نسبيًا، انبثقت إرهاصاته الأولى مع المحقق الكركي (توفي 940هـ/1534م)، الفقيه اللبناني الذي أدار شؤون الدولة الصفوية في إيران كـ"نائب الإمام"، مستندًا إلى فتاوى في "المحاسن" تمنح الفقيه سلطات تنفيذية واسعة تشمل القضاء والجمعية والجهاد.
تطورت الفكرة تدريجيًا عبر الملا صالح المازندراني (ت1072هـ) والشيخ يوسف البهراني (ت1186هـ) في "حدائق الناضرة"، لتصل إلى صياغتها النهائية الحديثة على يد السيد محمد النراقي (توفي 1245هـ/1829م) في كتابه "عوائد الايام"، حيث جعلها ولاية شاملة تشمل السياسة والحكم كاملاً، متجاوزة حدود الولاية الخاصة التقليدية المقتصرة على أمور الحسبة واليتامى.
ثم جاء الإمام الخميني (توفي 1410هـ/1989م) ليُعيد صياغتها فلسفيًا في "الحكومة الإسلامية" (كُتب عام 1348ش/1969م)، مشددًا على دور الفقيه كـ"حارس الشريعة" في مواجهة الاستعمار والطغيان. نشرها أمام فقهاء الشيعة المعاصرين وعامتهم منذ منتصف القرن العشرين، خاصة بعد محاضراته في النجف وطهران، ليُطبقها عمليًا عقب انتصار الثورة الإسلامية عام 1979م، حيث أُسست جمهورية إيران الإسلامية عليها كأساس دستوري في المادة الخامسة والثانية عشرة من الدستور، مما حوّلها من نظرية فقهية إلى نموذج حكمي عالمي الصدى.
هكذا، تُعد ولاية الفقيه العامة تطورًا فقهيًا مثيرًا يعكس ديناميكية الفكر الشيعي، لكنه يظل محل جدل حاد بين المؤيدين الذين يرونه امتدادًا للإمامة، والمعارضين الذين يقصرونها على نطاق ضيق.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك