جحا وذكاء الأسبقية
وقف الرجل أمام جحا في ساحة صغيرة، محاطة بأكواخ متفرقة وجدران حجرية متشققة، حيث كانت الشمس تتراجع خلف التلال الرمليّة، تلقي بأشعتها الذهبية على حبات الغبار المتناثرة في الهواء، فتبدو وكأنها نجوم صغيرة هبطت إلى الأرض. كان المكان هادئًا إلا من خرير ماء بطيء من بئر قديمة في الزاوية، وصرير الباب الخشبي لأحد الأكواخ حين هبّت نسمة ريح عابرة.
الرجل وقف ووجهه مشرق بالثقة، رأسه مرفوع وكأنه يعلن للعالم كله عن عظمة عقله، وبدأ يتفاخر بطولاته في حل المعضلات، كل كلمة منه كانت تلمع في الهواء وكأنها نحته على حجر فخره، بينما الغبار يلتف حول قدميه كعرافة صامتة تُسجل كل حركة.
جحا كان يقف عند زاوية الساحة، شبه مظلل من شجرة متفرعة، عيناه نصف مغلقتين، يراقب الرجل بعينين كفنان يرى لوحةً فاشلة، يقرأ فيها كل خطأ وكل مبالغة في الفخر، وكل محاولة لتجميل الحقيقة بعقدة التفوق. كل حركة، كل تهلل، كل ابتسامة، كانت عنده مثل علامات على خريطة معرفة أعمق.
بعد صمت طويل، نهض جحا ببطء، وكأن كل كلمة تُفكر قبل أن تُنطق، وقال بصوت هادئ لكنه ثقيل، يشبه خرير المياه في البئر:
"أتعرف ما هو قمة الذكاء؟"
ارتجف الرجل قليلاً، وظن أن السؤال اختبار، فابتسم بثقة زائفة:
"أن تحل ما يعجز عنه الآخرون."
ابتسم جحا ابتسامة صغيرة، فيها شيء من السخرية والحزن معًا، ابتسامة ، كما لو أن الحياة نفسها تراقب الإنسان من بعيد وتضحك على غروره. اقترب قليلًا، وخطواته على الحصى جعلت صوته يهتز في الصمت، وقال:
"لا يا صاحبي… قمة الذكاء ليست في حل المشكلة نفسها. قمة الذكاء أن تدرك أنني قد حللت هذه المشكلة في رأسي قبل أن تبدأ أنت حتى في التفكير فيها. لقد رأيت كل الخطوات، كل الاحتمالات، كل الأخطاء الممكنة، وكل النصر المتوقع… وكل ذلك قبل أن يحاول عقلك أن يتفوق."
نظر إلى الرجل بعينين تتسعان للفضول والخجل معًا، وأضاف:
"لكنني صمت… نعم، صمتت. لأترك لك متعة الانتصار. لأترك لك لحظة تعتقد فيها أنك الأكثر ذكاء، وألا أشوش على فرحتك الزائفة."
الرجل بدأ يشعر بثقل الكلمات، وبدأت الابتسامة تتلاشى من وجهه، وتحل محلها حالة غريبة من الفهم البطيء، كما لو أن الحروف نفسها بدأت تثقل على كاهله.
واصل جحا كلامه، كأنه ينقل درسًا من الزمن نفسه، درسًا يقرأه من الطبيعة والحياة:
"الذكاء الحقيقي يا صاحبي… هو أن تمنح الحمقى فرصة ليشعروا أنهم أذكياء. أن تمنحهم نصيبهم من وهم الانتصار، حتى لو كنت تعرف الحقيقة كاملة… حتى لو كنت تعلم أن كل خطوة محسوبة مسبقًا في ذهنك، وأنك تعرف نهايتها قبل أن يبدأوا الرحلة. لأنهم سيعيشون شعورهم بالنجاح، وستحافظ أنت على روحك بلا أن تكسر فرحتهم الزائفة. هذه هي الحكمة… وهذا هو النبل الحقيقي."
تنفس الرجل ببطء، يشعر بالدوار، ليس من تعقيد الكلام، بل من ضخامة ما سمعه، ومن صمت الساحة المحيطة به، ومن الضوء الذهبي الذي يكسو الحصى والحوائط، كأن العالم كله توقف ليسمع ما كان يجب أن يسمعه.
ابتسم جحا مرة أخرى، ابتسامة طويلة، فيها الصبر والرحمة والفهم العميق لما يعنيه أن يعيش الإنسان بين غروره وبين الحقيقة. ثم أضاف، وهمس كأنه يتحدث للنسيم العابر أكثر من الرجل:
"تذكر يا صاحبي، ليست كل الانتصارات ما نحققه بأيدينا… بعضها ما نتركه للآخرين ليعتقدوا أنه انتصارهم. والأذكياء يعرفون متى يمنحون وهم القوة."
ظل الرجل صامتًا، وقد بدأ شيء ينكسر فيه… وهم المعرفة الكاملة، ليحل محله شعور جديد: الاحترام، ليس لجحا فقط، بل للحياة نفسها، التي لم تعد تُقاس بالذكاء وحده، بل بالرحمة، والفهم، والقدرة على الصمت حين يجب الصمت، وعلى منح الآخرين لحظة وهمهم، كما منحهم جحا اليوم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك