القمريّة لعبد المجيد زراقط .. رواية رؤية الواقع من فتحة ضوء وسط الظّلام
رواية "القمريّة" عمل جديد للرّوائيّ اللّبنانيّ عبد المجيد زراقط، صدرت في العام 2025 عن العتبة الحسينيّة المقدّسة، وتندرج هذه الرّواية ضمن السّرد الذي يشتغل على الذّاكرة الجنوبيّة اللّبنانيّة وقضايا الاحتلال والمقاومة، وتعمل على إعادة تشكيل هذا الواقع من خلال بنية سرديّة متشظيّة، ورؤية دلاليّة عميقة تتجاوز المباشر إلى الإنسانيّ والوجوديّ.
والعنوان عتبة نصيّة مهمّة تقودنا إلى الخوض في متن النّصّ، ليتبين لنا أنّها قرية وقعت تحت الاحتلال الصّهيونيّ، وإذا بحثنا عن اسم هذه القريّة نكتشف بأنّها مكان متخيّل، فهي ليست من قرى لبنان، لكن يمكن القول إنّ القمريّة مكان مركّب، من الحاضر والمستحضر أو من الواقعيّ والمتخيّل، فهي من مخيّلة الكاتب لكنّها تأخذ ملامح الواقع، وتكتسب بعدًا جغرافيًّا وتاريخيًّا حقيقيًّا.
إنّ اختيار الكاتب لهذا الاسم يسمح لنا أن نكتشف أبعاده، ونؤول رمزيّته، "فالقمريّة" قد تكون رمزًا للنّور في العتمة، أي البحث عن الأمل وسط الحرب، وقد يشير الاسم إلى العين النّاقدة والنّافذة، فترسم لنا حالة الرّؤية والمراقبة، ويتناغم هذا مع الرّواي الأكثر بروزًا في الرّواية أي الصّحفي ضياء فريد، فكان العين المراقبة التي نقلت ما حدث في القمريّة. وعليه فإنّ هذا الاختيار جعل من الرّواية محاولة لرؤية الواقع من فتحة ضوء وسط الظّلام.
وتشير الرّواية إلى ملامح كثيرة من هذا الواقع، فتدور أحداث الرّوارية في جنوب لبنان خلال العقد الأخير من القرن العشرين، في سياق الصّراع مع الاحتلال الإسرائيليّ. فأخذ الجنوب اللّبنانيّ موقعًا مركزيًّا ولم يُقدَّم كونه خلفية محايدة، بل كان عنصرًا فاعلًا يحمل دلالات متعددّة، فشكّل فضاءً مكانيًّا يعبّر عن الخطر والمواجهة، وعن الذّاكرة والانتماء، وعن تشكّل الهويّة الجماعيّة، وتحوّل هذا المكان إلى علامة يوجّه مسار السّرد ويؤطّر دلالاته. فأسهم في تقديم الثّنائية المركزيّة التي تقوم عليها الرّواية وهي الاحتلال والمقاومة، وأظهرت فعل أبناء الأرض وحقّهم في الدّفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم.

وإذ تجلّت صورة المقاومين وطريقة مواجهة الاحتلال الصّهيونيّ للأرض، عبر اتّحاد أبناء القمريّة وبذل النّفس في سبيل ذلك، فإنّ المواجهة أيضًا كانت في وجه الإقطاع السّياسيّ والرّأسماليّ الذي تشابكت مصالحه مع العدو، فكان التّحالف والمشاركة معًا لمواجهة أبناء الأرض والمقاومين.
وتبرز شخصيّة مرعي الرّاجي رئيس الإدارة المدنيّة، المتعدّدة الوجوه فاسمه الحقيقي مرعي الرّجوم، وفي سيرة حياته أعمال مختلفة، وما يجمعها هو الاحتيال والنّصب والتّلاعب على القوانين والغدر بالمحيطين به، لهذا عُرف بعدّة ألقاب منها: الكسّيب والجوكر والتّاجر، وهو النّاجي من عملية خطف أو قتل، حفّزت رغبة الصّحفيّ ضياء فريد في التعرّف إليه، وكانت الفرصة مواتية عندما توجّه إلى القمريّة لعمل تحقيق صحفيّ عن قوّات الطّوارئ في الجنوب، وبدأت المواجهة من مكتب ضابط الكيان الاستيطانيّ، لتتوالى الأحداث فتكون القمريّة صورة عن واقع الجنوب في ذلك الزّمن، وتقدّم لنا نماذج بطوليّة لأبناء الأرض الذين رفضوا الاحتلال، ورضوا بتقديم التّضحية من أجل الحريّة والكرامة، ولا يقتصر ذلك على فئة واحدة، الجميع معًا في خط المقاومة ورفض الظّلم. ولا يستثنى من ذلك إلّا من ضعفت نفوسهم، واتّبعوا أهواءهم، وتنازع الطّمع أفئدتهم، فأخذتهم هذه الأهواء إلى التّعامل مع العدو، فبرزت صورة العميل الخائن المستكلب بالحصول على المال حتى لو كان على حساب أبناء جلدته.
وقد وفّقت الرّواية بتقديم الشّخصيّات بوصفها كيانات نفسيّة مكتملة ضمن بنية سرديّة تؤدّي وظائف محدّددة على نحو يُذكّر بالتّحليل الوظيفيّ عند فلاديمير بروب، فنجد شخصيّة الشّاهد وشخصيّة الضّحيّة وشخصية المقاوم وشخصيّة الغائب وشخصيّة الغادر، وبذلك تتحوّل الشّخصيّة من مركز الوعي الفرديّ إلى موقع داخل شبكة العلاقات السّرديّة ما يعزّز الطّابع البنيويّ للنّصّ، واللّافت أنّ السّرد جاء موزّعًا بشكل غير متساوٍ بين الشّخصيّات، فهيمن بعضها أكثر من غيره، ولعل هذا أسهم بانعكاس مركزيّة بعض التّجارب داخل الرّواية.
ومن هنا فإنّ الرّواية اعتمدت تعدّد الأصوات بدل الرّاوي الواحد، فقامت الرّواية على بنية سرديّة متشظيّة، وتوزّعت الأحداث على ثلاثين وحدة سرديّة، رواها ما يقارب تسعة رواة مختلفين، كل شخصيّة تروي جزءًا من الحدث، فتغدو الحقيقة نتاج تفاعل هذه الأصوات، وفي ذلك إحالة هذا البناء إلى تصوّرات النّقد الحديث، فيتراجع حضور المؤلّف لصالح النّصّ بوصفه شبكة من العلاقات، ويبرز دور القارئ كونه عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى، وفي مشاركته على إعادة تركيب الحكاية عبر الرّبط بين السّرد المتقطع.
وقد يغيب في تعدّد الرّواة إعطاء مساحة واسعة لمرعي الرّاجي ومن يتبعه من العملاء، وربما يعود ذلك إلى اتّساع تأثير أعمالهم في البنية السّرديّة، أو لعلّ هذا مرتبط في المرحلة الجديدة التي وصل إليها مرعي الرّاجي، فاستطاع أن يقدّم انقلابًا واضحًا بعد مرحلة التّحرير، فأصبح من الدّاعين إلى الاحتفال بهذه المناسبة، واستطاع أن يحمي ماله من الضّياع، والمساحة التي أعطيت للرّاجي هي في قراءة مذكرّاته من قبل الصحفي ضياء فريد، ولعلنا هنا نكتشف بعض ما يدور في خلد مرعي الرّاجي، وما توصّل إليه لاحقًا من فكرة فلسفية تبحث عن جدوى العيش، وجمع المال وهو لم يستطع أن يترك وريثًا، وهذا ما يفتح المجال للقول بأنّ هناك مساحة مفتوحة في الرّواية، لأنّ للرّاجي ابنة لم يعترف بها، وقد تكون مفتاحًا له يحلّ بها أزمته الوجوديّة.
ولم يكن ذلك بعيدًا من الواقع الذي نعيشه، فهذه الشّخصية تمثّل مرحلة الفساد اللّاحق الذي يسيطر على البلاد، وهو بما حمل من ألقاب، سيكون قادرًا على التّلوّن بوجهٍ جديدٍ يسير وفق ما أل إليه الواقع. ففي الواقع الذي نعيشه نصادف هذه الشّخصيّات المتسلّقة والقادرة على تكوين صورة جديدة لها، فكان مرعي الرّاجي بصورة جديدة، يسعى إلى إعادة بناء ما تهدّم، وإلى تبيان أسس الفساد الذي ساد العالم الجديد.
واكتملت البنية السّرديّة في الرّواية عبر عنصر لا ينفصل عن أي عمل روائيّ، إلا وهو الزّمن الذي لم يخضع لمنطق خطّي متسلسل، بل توزّع بين استرجاعات واستباقات، وهذا ما يتلاءم مع تعدد الرّواة، وأدّى هذا إلى كسر التّسلسل التّقليديّ للأحداث، فالسّرد يُقدّم عبر ذاكرة الشّخصيّات، لا عبر تسلسل الوقائع، ولم يكن هذا التّفكيك الزّمنيّ تقنيّة شكليّة، بل حمل وظيفة دلاليّة، وعكس طبيعة التّجربة الإنسانيّة في ظلّ الاحتلال، فتداخل الماضي بالحاضر، ويغدو الزّمن ذاته مجالًا للصّراع.
رواية القمرية قدّمت بناء متخيّلًا يرتبط بالواقع، واستطاعت أن تعيد صياغة تجربة المقاومة في إطار إنسانيّ مفتوح على التّأويل، وترك المجال لنهاية مفتوحة لصراع مستمر، فهي لا تكتفي بتوثيق الواقع بل تعمل على تفكيكه وإعادة بنائه، ما يمنحها مكانة مميزة ضمن الرّواية العربيّة الحديثة.

التعليقات
أضف تعليقك