فكرة الأمن السياسي في مصر..
سأحاول الخوض في جزء من تاريخ الأمن المصري، وهو جزء قد لا يعرفه الكثير، من خلال سيرة لاظوغلي ...مؤسس الأمن السياسي في مصر ...
اسمه الرسمي المدون في سجلات الحكومة المصرية هو لاظ أوغلي محمد أغا وكتخدا جناب والي مصر محمد على باشا، وكتخدا كلمة تركية وتعني نائب الوالي.
ويعد لاظوغلي أول من ابتكر الطرق البوليسية التي أستعملها أجهزة الأمن فيما بعد في جمع المعلومات بأنواعها المختلفة من مصادرها، وتبويبها، وتوزيعها. وهي نظرية معقدة تقوم أساسا على فكرة جمع كل المعلومات المتاحة مهما كانت، سواء كانت تافهة أو ذات قيمة، ثم تبويبها وتصنيفها، والاستفادة منها، وتكمن كفاءة أى جهاز أمني في الاستفادة السريعة من المعلومات المتاحة لتحقيق الهدف.
كما أن لاظوغلي هو أول من فكر في نظرية الفصل بين مصدر المعلومات وكيفية الاستفادة منها. وهو أول من أدخل النساء في عمل الأجهزة المخابراتية. وإن كان ذلك لم يكن بقصد استغلال النساء كإناث، ولكنه استغلال لشيء تعلمنه ولا يتقنه غيرهن.
وعندما نعود الى حالة مصر في أعقاب تولي محمد على الحكم فيها عام 1805 , نجد أن محمد على كان بالفعل في حاجة إلى رجل له قدرات لاظ أوغلي الخارقة.
كانت القوي السياسية المناوئة أو المنافسة لمحمد على تنحصر في ثلاث مجموعات. كل منها كان له شان في السلطة وطامع فيها. وتلك المجموعات هي: المماليك، المشايخ، الأتراك والشراكسة والأجانب وأبناء العرب.
وكانت كل قوة من تلك القوي تحاول الحصول على السلطة، أو على الأقل المشاركة فيها. ولكن محمد على بعقليته المنظمة لم يحتمل المشاركة في الحكم. لذا فإنه بادر بتصفية تلك القوي واحدة تلو الأخري.
وفي عملية التصفية تلك إحتاج محمد على إلى جمع المعلومات الكافية عن كل قوة من تلك القوي. وكان له ما أراد في لاظ أوغلي .
بعد مذبحة القلعة كان هناك عدد من المماليك لديهم علاقات قوية بالخلافة في تركيا، ومن هؤلاء لطيف باشا، وكان هذا مملوكا لمحمد على نفسه. أوفده محمد على إلى الآستانة ليزف البشري للحكومة التركية بالقضاء على فتنة الحجاز، فأنعمت الحكومة التركية على لطيف برتبة الباشوية، وكان هناك من تكلم معه في مناوئة محمد على، وبالفعل عاد لطيف إلى مصر وبدا عليه الكبرياء والغطرسة، وتغير تجاه محمد على، فأوكل أمره إلى نائبه لاظوغلي ...
الرجل لم يتأخر في الخلاص منه.
أما المشايخ فقد جمع لاظوغلي عنهم معلومات في غاية الأهمية، تتعلق بمسلكهم، وأموالهم، وإجتماعاتهم، وتصرفاتهم، ومنهم عمر مكرم والشيخ الشرقاوي وغيرهم، مما سهل لمحمد على مهمة التخلص منهم واحدا تلو الآخر بالنفي والعزل والموت، بعد أن واجههم بالمعلومات التي جمعها عنهم.
أما القوة الثالثة فهم أولاد الأتراك والجراكسة والعرب ممن يمتلكون الأوال والأراضي أي طبقة الإرستقراطيين.
وهؤلاء كانوا يجتمعون للسمر في بعض البيوت الخاصة المجهزة خصيصا للمتعة، وهي منازل فيها الطباخون والراقصات والمغنيين والمغنيات، وكل ما يجلب المتعة بمقابل لهؤلاء الأعيان.
وكان محمد على يخشى هؤلاء، ويخاف منهم. لأجل هذا طلب من نائبه لاظ أوغلي مراقبتهم، للوقوف على ما يفكرون فيه.
لأجل هذا تفتق ذهب لاظوغلي عن فكرة قام بتنفيذها على الفور.
إستعان الأخير بعدد من المخبرين , بعضهم يجيد اللغة اللغة التركية , واناط بهم بوسائل شتي ان يدخلوا البيوت التي يسهر فيها الأتراك والجراكسة والعرب بصفتهم باعة لما يحتاجه الناس في الليل , بعضهم يحمل كعكا وبيضا , والبعض الآخر يحمل حب العزيز واللب بأنواعة , والبعض الآخر أنواعا من اللوز والبندق المقشر وأمثال ذلك , وكل هذة الأصناف من مال الحكومة , فيتردد هؤلاء الباعة على سهار الليل من ذوي اليسار من أصحاب البيوت الواسعة التي يفد الناس إليها لقضاء السهرة فيها , وفي أمثال هذة البيوت تكون الخدمة تعبت والطباخون والطباخات بارحوا تلك البيوت والناس لطول سهرهم يحتاجون إلى غذاء البته فيفد عليهم هؤلاء يمدونهم بما يحتاجون وهم يعون ما يقولون , وربما أدي المزاح بهم إلى رمي بعض ما يحمله هؤلاء أو غير ذلك فلا يجدون إلا إستحمالا وطول بال يتوصلون به في أثناء إلى وعي كل ما يقال في السهرة بحسب الإستطاعة .
يقوم هؤلاء المخبرون بجمع وتدوين كافة المعلومات والكلمات التي يسمعونها أثناء الليل من الساهرين.
وعندما مبارحة الدور وقبيل الفجر يدونون ما سمعوه في تقارير ويلقونها في فتحة من باب بيت كان معروفا من عهد غير بعيد بمنزل قفطان باشا غرب منزل مصطفي باشا الكريتلي في الساحة التي أمام مقام وضريح السيدة زينب , وهذة الفتحة في داخلها مخلاة تتدلي داخل الحجرة , وكان كل مخبر منهم يصل في ميعاد معين لوضع تقريره في تلك المخلاة , وباب هذا البيت مفتاحه عند لاظوغلي نفسه , وكانت تقيم في هذا البيت سيدة لها دراية واسعة باللغتين العربية والتركية , وهي السيدة التي تم جلبها من تركيا لتعليم محمد على باشا مبادئ اللغة العربية وقراءة اللغة التركية وكتابتها .
لم يكن هؤلاء المخبرون بعرفون لمن ترسل هذة التقارير وما الفائدة المتحصلة منها، ولا لحساب من يعملون، ولا هذة السيدة تعرف من هم الواضعون لتلك التقارير.
كانت السيدة كل صباح تقوم بفتح المخلاة، وتجمع منها التقارير، وتلخصها وترتبها ترتيبا متقنا.
وقبيل الظهر بنحو ساعتين من كل صباح يرسل لاظوغلي بغلة تحمل السيدة المشار إليها وأوراقها إلى القلعة، فتجد الشيخ يوسف أحد أعوان لاظوغلي حاضرا، فتقرا الملخصات، وإن أستلزم الحال يرجع إلى بعض التقارير للتأكد من دقة التلخيص، وبناء عليه تؤخذ الإحتياطات التي يجب على الحكومة إتخاذها لمواجهة المؤامرات التي كانت تتم أثناء سهرهم وسمرهم، وقد تلك المعلومات في منع كوارث ومشاحنات كانت غير منتظرة، وبهذة الطريقة وصل الأمن والأمان إلى نصابه في أيام سبقها إختلال عظيم.
وعن طريق تلك التقارير، كان الوالي محمد على يراقب المباشرين والملتزمين، ويعلم مقدار ثرواتهم وما لديهم من أموال، وكان يفاجئهم ويطلب منهم أموالا. ومن هؤلاء المعلم جرجس الطويل، وحنا الطويل، ومنقريوس البتانوني وطلب منهم أن يدفعوا مبلغا من المال، فرفضوا، أمر بهم أن يضربوا ضربا مبرحا، فلما تألموا من الضرب، دفعوا ما طلبهم منهم الوالي.
وكان لاظوغلي يتولي عمليات اغتيال اللذين يبدو منهم خطرا على الوالي , ومن هؤلاء محمد أفندي الوندلي , ناظر المهمات لدي محمد على , وهو أول من أشار على محمد على بوضع ضريبة على اللبان والصمغ والحناء , وله مؤلفات في مختلف الفنون والتقويم والسحر والأمور الباطنية , وكان يقوم بصناعة الجوخ الملون الذي كان يصنع بالخارج , لجل هذا ترك له الوالي محمد على الإشراف على معامل البارود والفضة ومدابغ الجلود , وقربه منه , وكان يدخل عليه دون إستئذان , فخشي لاظوغلي على منصبه أن يطمع فيه الوندلي , لذا قرر التخلص منه وذات مرة عزم الوندلي على السفر خارج البلاد , ولما سافر الوندلي الإسكندرية ليستقل الباخرة أوعز لاظوغلي إلى الوالي محمد على أن الوندلي سوف يسافر إلى اسلامبول , وأنه سيقابل قبودان باشا رئيس الدوننمة (ديوان الخلافة ) للوشاية بالوالي , وعلي الفور كتب الوالي إلى خليل بك محافظ الإسكندرية وأمره بقتل الوندلي , وقيل أن رجاله لحقوا الوندلي وهو في الباخرة , فألقوه في البحر .
وهذكا نجح لاظوغلي في تأمين حكم وحكومة محمد على من كل الطامعين في الحكم، وكل من يفكر في ذلك بفضل الجهاز الرهيب الذي أنشأة لاظوغلي.
وفي يوم 22 رمضان 1242هجرية 19ابريل 1827 توفي لاظوغلي محمد أغا كتخدا جناب والي مصر محمد على باشا. وقد أحسن إليه برتبة ميرلوا سنة 1812, وكان دخوله في خدمة الحكومة في غضون 1810, وهو الذي أسس دواوين ومصالح الحكومة، وكان مطلق التصرف في أمور الإدارة.
عندما أرادت الحكومة في عهد الخديوي أسماعيل عمل تماثيل للمرحوم محمد على باشا وإبراهيم باشا ولاظوغلي بك وسليمان باشا الفرنساوي وجدت للجميع صورا شائعة في أوروبا إلا لاظوغلي بك فلم تجد له صورا , وحتمت الحكومة على محافظ مصر حينذاك المرحوم أحمد باشا الدرملي في يوليو سنة 1869 فلم يجد عند أسرته , ولا من له علاقة به صورة له , ولكن أتفق وجود الباشا المشار إليه والمرحوم محمد ثابت بجهة خان الخليلي عصر يوم , فوقع نظر المرحوم ثابت على سقا حريم فتفرس في وجهه , فوجده يشبه لاظوغلي في الطول واللمحات , فلفت نظر الدرملي نحو هذا الرجل الذي يحمل قرب المياه, ودعاه الدرملي باشا , وأتفق معه على أن يقابله بمقر الضبطية صباح اليوم التالي , وأمله خيرا حتي لا يخلف وعده , في الصباح حضر السقا , وكلف الدرملي أحد المعاونين لمرافقته لتفصيل بدلة , تناسب لاظوغلي, وأحضروا سيفا بعد أستكمال الملابس والعمامة وكل ما يلزم , وأخذت صورة فيتوغرافية لهذا السقا , وأعتبرت فيتوغرافية لاظوغلي كالذي تراه منصوبا الآن ميدان المالية , هو تمثال السقا الذي يشابه لاظ أوغلي.
اى أن التمثال المقام في الميدان الذي يحمل أسم الرجل ليس للاظوغلي، ولكنه لرجل يحمل نفس ملامحه ويعمل سقا حريم.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك