من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

في البعد عن الوطن

د. محمد عبدالله اقواسمة
في البعد عن الوطن



عندما يبتعد الإنسان عن وطنه، لأي سبب من الأسباب يجد نفسه غريبًا في المكان، الذي ساقته الظروف إليه، غريبًا في لغته وثقافته وعاداته وتقاليده. وتبدأ التساؤلات التي تزيده عذابًا ولومًا: ما الذي جاء به إلى هذا المكان القاسي؟ ألم يكن غير هذا الفراق لذاك الوطن؟ لماذا يجبر على التكلم بلغة ليست هي في الأساس لغته؟ لماذا يأكله الحنين إلى أهله وخلانه الذين تركهم في بلده الأصيل؟ إنه غدا يتمزق بين لغتين وهويتين، تغزوه الكآبة، وتحيط به الأحزان من كل جانب.

لا يجد إجابات لأسئلته؛ فيغرق في الذكريات التي يستلها بسهولة من الذاكرة. لقد سكن ذلك المكان، وعايشه، وتنسم هواءه، وطاف في أنحائه، وتعرف سهوله ووديانه وجباله، والآن وهو يبتعد عنه يحس بوجوده في قلبه، وثنايا روحه، وجوارحه وعروقه. وما زالت الصور الجميلة وذكريات الطفولة والصبا والشباب تُلهب الشوق، وتبعث الحنين، فتترسخ في الذاكرة والوجدان،

من المعروف المتداول أن الأدباء، وخاصة الشعراء هم الذين عبّروا في أشعارهم عن تجاربهم في الغربة والمنافي، وتذكروا أوطانهم بما فيها من أناس وأشياء وأماكن. هل ننسى ابن زيدون وهو يتذكر مدينته الزهراء؟ وشوقي وهو يستحضر مصر ويسائلها كأنها قريبة منه؟ والسياب، وهو يذوب شوقًا إلى قريته جيكور؟ لكن، في الحقيقة يوجد من يماثلهم في ذلك، ولا نريد أن نقول يتفوق عليهم إنهم بعض المفكرين والباحثين الذين لم يفارقهم الوطن في الغربة، ولم يغب عنهم، ولم يغيبوا عنه؛ فكتبوا عنه وإن بطريقة موضوعية، لكنها لا تخلو من العواطف والحنين.

فمن المفكرين الذين تجلى الوطن في أعمالهم المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، ففي كتابه " خارج المكان"، كما تبدو من عنوانه ذات المفكر القلقة والمهشمة؛ لغيابها أو تغييبها عن المكان المألوف والمحبب إليها، إنها مدينة القدس المدينة، التي ولد سعيد في حي من أحيائها عام1933م، وهو حي الطالبية، إنه المكان الذي يستدعي كل الأماكن التي عرفها الكاتب، وحمل ذكرياتها من القاهرة إلى ضهور الشوير في لبنان، إلى ماديسون في ولاية وسكنسون، لم يزده وجوده في تلك الأماكن إلا حنينًا إلى القدس، موئل ذكريات طفولته وصباه وشبابه، ولا تشاركها في ذلك الحنين غير القاهرة، لأنها مثل القدس غنية بالآثار، كما أنه أمضى فيها سنوات من عمره، طالبًا في مدرسة القاهرة مع أبناء الأمريكان لأن والده كان يحمل الجنسية الأمريكية، ثم طالبًا بكلية فيكتوريا التي طرد منها عام1951 ؛ لأنه كان وبعض الطلاب العرب متهمين بإثارة المشكلات مع الإدارة التعليمية البريطانية. على كل حال كان سعيد في أماكن منفاه كلها يحس بالاغتراب، واضطراب الهوية لبعده عن القدس وفقده وطنه فلسطين.

ومن أبرز الباحثين الذين سكنهم وطنهم الدكتور عبد الفتاح أبو السيدة، الذي تنقل في المنافي البعيدة من ليدز شمالي إنجلترا، إلى السعودية والبحرين، ثم الإمارات وأخيرًا يستقر في سيدني في أستراليا. وفي تلك البلاد لا يغيب عن باله وطنه فلسطين، ويتذكره من خلال قريته تل الصافي التي احتلتها إسرائيل عام 1948م، فلا يكتفي بدراسة حاضرها بل يسترجع ماضيها من أعماق العصور( مِن القرن الثالث عشر قبل المیلاد إلى القرن السادس قبل المیلاد) ويربط ذلك بما آلت إليه تحت الاحتلال الصهيوني. أراد، كما يقول، أنْ يلمس ماضي تل الصافي بيده كما لمستھا الحفريّات، وأنْ يسمع صدى الحیاة التي كانت تدبّ في شوارعھا ومنازلھا وتحصیناتھا، ومعابدھا وطقوسھا، وصناعاتھا الفخارية ويضع بين يدي القارئ ما خطه في كتابه الموسوم بـ "تلّ الصافي/ غاث الفلستیةّ في العصریْن البرونزي والحدیدي: تاریخ آثاري للمدینة".

كان هدفه الذاتي أن تبقى قريته في عقله وقلبه تنبض بالحياة، تملؤه الأحلام في عودتها إلى الواقع المعاين. أما هدفه الآخر فيتمثل في أن يُظهرها للقارئ، بأنها لیست مجرّد قریة فلسطینیةّ مھجّرة، بل موقع تاریخي عریق، شھِد على مر العصور مراحل مزدهرة إلى أنْ استحال بعد نكبة فلسطين الكبرى إلى موقع خرب، فيه آثار قلعة صلیبیةّ، ومقبرة، وبئر معطّلة، وعلى جنباته أشجار الصبار.

الخلاصة أن الوطن لا ينساه الإنسان بل إن فراقه لعذاب وحسرة وإحساس بالفجيعة، وإذا ما كان أديبًا أو باحثًا أو مفكرًا فإنه يُستاعد في قصيدة أو مسرحية أو رواية أو بحث. هكذا تعيش الأوطان، وإذا ما حرم أهلها منها فإنهم يحملونها في قلوبهم وأرواحهم، ويسردونها للأجيال القادمة. فلا تصدق أيها القارئ العزيز أن الوطن يموت.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8277
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.