قراءة نقدية لقصة " جرح قديم " للكاتب مصطفى الخطيب
في ضوء قراءة تحليلية للعبة سردية بين تعدد الرواة والحيرة ومرآة الواقعية السحرية وتزامن محطات إنسانية يفرضها ألزهايمر:
يتحفنا القاص مصطفى الخطيب بقصته التي عنونها (جرح قديم) خلال سارد عليم يحكي مريض عضال الزهايمر ليصل بهاجسه الوجداني لملمات وتبعات من يعانيه، ودت عين النقادة اختيار (انطفاءة غريب) لهذا السيل السردي حتى يحدث وقعا وآثرة في النفس، مذ استيقظ ذاك الكهل في اضطراب ما بعد الصدمة يتحسس صوت محب يناديه ويحاول البحث عن ذاته المفقودة كما جاء (ملفات كانت كل حياته).. (حتى اسمي لا أجده في هذه الأوراق التالفة)، بعدها يبدأ الترحال من عتمات نقاط سوداء ثم نكوص فانطفاءة، تلك العتمات هي ظلمة الذاكرة المثخنة بالخرف والخوف والنسيان، يتنقل بين محطات قطار العمر من كهولة إلى طفولة بائسة لما اقتاده القدر لفقد أبيه في سن الثالثة ولا يذكر سوى نحيب أمه والنساء، فيكبر قليلا ليرى صويحبه في تخييل عبر المرآة وهو يبكيه جريحا على إثر سقطة بالوحل وهجوم كلاب.. كما لو كان القاص يبرهن على حيرة المناجاة المصحوبة بالهمارتيا (نقاط ضعف) لصيقة لمريض أحد أبرز أمراض العصر، أبرز التشويق السردي منذ الاستهلالية في تقافز مشهدي مقصود ومهندس انتهى إلى زجاج ساكن بارد لا يعكس نورا أو صوراََ، أما الطفل يذكرني الأديب الانجليزي الرومانسي وليام وردث ورث لما قال بأن الطفل أبو الرجل.. بالأحرى في طهارته ونقائه واكتمال ذاته بلا شائبة أو ذنب، الدرس السامي وراء السطور هو أن القاص أكد أن الزهايمر وأن كان ظلاما في الكيان لكنه لا يفقد الأمل ويفتش عن النور حتى وان أحدث انطفاءة…
هنيئا للقاص بلغته واسلوبه وبنيتة السردية ولمزيد من العطاء.
بقلمي / أحمد فاروق بيضون
(النص)
جرح قديم …
تُعرَض عليه الوجوهُ واحدًا تلو الآخر... هذا الوجه مرَّ عليه من قبل... كغيره من الوجوه التي تزوره، تبتسم له بحنوٍّ مشوبٍ بالأسى، تسأله بصوتٍ مكسور:
ــ " عرفتني ياحبيبى"
يبتسم في حرجٍ مُربِك، يعصر ذاكرته كمن يُنقِّب في صحراء عن عملةٍ ضائعة.
يُجيبهم جميعًا بابتسامةٍ حائرة، وعيونٍ منكسرةٍ، تشبه الاعتذار!
---
يفزع من نومه، كأنّه تأخّر عن القطار الأخير، يبحث عن مفاتيح مكتبه القديم، يُفتّش في الأدراج،
يُقلب في أوراق رسمية اصفرّت مع الزمن، ويفتح ملفاتٍ انتهى أجلها منذ عقود؛
تلك الملفات التي كانت، ذات يوم، كلّ حياته...
لم يتبقَّ منها اليوم سوى عناوين باهتة، وأسماء بلا وجوه.
(يجلس على الأرض مُنهكًا، يهمس لنفسه):
ــ " ما الذي حدث! كنتُ رئيسا للمؤسسة... آمرُ وأنه، أمنح وأَمنع... الآن لا أتذكّر شيئًا، حتى اسمي لا اتذكره ولا أجده بين هذه الأوراق التالفة...!"
---
قال الطبيب، بعد أن استعرض ملفًا مُتخمًا بالأشعة والتحاليل:
ــ "الزهايمر... لم تسجل حالة واحدة شفيت منه.!"
"قطار العمر يسير إلى الخلف،
كلّ يومٍ يتوقّف في محطةٍ قديمة،
ويسقط من ذاكرته جزءٌ من الحاضر."
الأبن بحزن:
ــ "يعني... فقد الذاكرة!؟"
أستعرض له الطبيب أشعة الرنين المغناطيسي ثم قال:
- أنظر لتلك النقاط السوداء ؟ إنها نقاط انطفأت من الذاكرة، محيت، وستستمر، كمدينة في الليل تنسحب اضواءها بالتدريج!
سيعود للطفولة، ثم يواصل السير... حتى آخر محطة!"
---
وذات ليلة، بعد نهارٍ طويلٍ من التوتر والقلق، خرج من غرفته بوجهٍ شاحب، وعينين تلمعان بالذعر، وهو يصيح:
ــ "رجلٌ غريب في غرفتي! يُحدّق فيَّ بصمت! لا يُغادر... رغم توسُّلاتي! أرجوكم، أخرجوه!"
لم يكن في قلوبهم ما يكفي من القسوة ليقولوا له:
ــ "ذلك الغريب... هو أنت! صورتك في المرآة....!!! "
---
عاد،
توقّف أمامها....
اقترب خطوةً... ثم أُخرى،
حدّق في وجهه :
تجاعيدُ ثقيلة، عينان غائرتان منهكتان، هيكل واهن ، ورأس غزاه المشيب ...!
همس لنفسه :
ــ "يُشبهني فعلا !!!.. لكنه عجوز!"
رفع يده ببطءٍ ليُسلِّم عليه، ثم تراجع، وقال بهدوءِ المُنهَك:
ــ "لا تخف... سنبيتُ سويًّا الليلة أيضًا."
عملت الزوجة على تغطية المرآة بستارةٍ كثيفة .... علَّه يهدأ.
---
وفي ليلة، بعد أن آوى الجميعُ إلى فرُشِهم، نهض بصمتٍ، اقترب من المرآة، رفع طرف الستارة بيدٍ مرتجفة.
لم يكن العجوز هناك، هذه المرّة...
بل طفلٌ صغير، لم يتجاوز الثالثة ينزوي في ركن معتم من القاعة الكبيرة التي امتلأت عن آخرها بنساء ينحن في ملابس الحداد، لمح أمه بينهم تعصب رأسها وتنوح في صمت... ويد تربت عليه وتقول
"البركة فيك ياولدي ... الي خلف مامتش...!"
مرة أخرى، وقد كبر قليلا، رآه وحيدا في عتمة الفجر يجتاز أزقة ضيقة، يسير إلى أن يخرج إلى الزراعات، تنبح عليه كلابٌ ضالة، يركض مرعوبا، وعندما يحاول ان يقفز فوق قناية صغيرة يتعثّر، فيسقط، تتلطّخ ملابسه وحقيبة كتبه بالوحل، يرتجف من البرد والخوف.
اقترب منه، وسأله بصوتٍ متردّد:
ــ لماذا تسير وحدك في العتمة!!؟
رفع الطفلُ رأسه ببطء،
فبدا واضحا جرح على حاجبه الايسر
قال دون أن ينظر إليه:
-ألا تتذكر ذلك الجرح!؟
حاول أن يتلمسه بأطراف أصابعه وهو يقول بأسى
- لم أنسَ ذلك اليوم،
الكلاب، والوحل، والخوف!!!
قال الطفل
- دفنتني في أبعدِ زواياك. تركتني أتجمّد هناك من الخوف، والبرد، ولم أعرف كيف أعود إليك.
ــ والآن عدتَ...!
- لكنّك كبرت كثيرًا،
هل ستبقى هذه المرّة؟
ــ سأبقى...
(يصمت الطفل قليلاً... )
يمدّ يده المرتجفة نحو الزجاج،
يلامس وجهه كما لو كان يلاطفه...
ابتسم الطفل...
ثم خفتَ ضوؤه...
واختفى !
........
في الليلة التالية، نهض بصمت.
وقف أمام المرآة.
رفع الغطاء.
لم يجد الطفل، ولا العجوز...
فقط، زجاجٌ ساكن، بارد، لا يردّ التحية.
ظل واقفا لدقائق، ثم سحب كرسيًّا،
وضعه أمام المرآة...
جلس...
ينتظر...
لعلّه يعود…
بقلم/ مصطفى الخطيب
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك