من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

الثقب الأسود وخيوط النور

إسراء حمودة
الثقب الأسود وخيوط النور


وخزاتٌ مباغتة في القلب، تقلصاتٌ في المعدة لا تهدأ، صداعٌ يثقل الرأس، وتشتتٌ يجعل التركيز ضرباً من المحال.. هل سألت نفسك يوماً لماذا تئنّ أجسادنا بكل هذا الوجع رغم سلامتها العضوية؟ الحقيقة أن أجسادنا ليست إلا مرآة لزحام عقولنا، وانغماسنا المفرط في الماضي، وتعلقنا المَرَضي بكلمة "لو".

"لو"....حرفان كفيلان بنسفك تماماً.

 هما البوابة الملعونة التي يدخل منها التفكير المفرط ليحول حياتنا إلى جحيم من الندم على ما فات، أو الذعر مما هو آت.

يقول أحد الحكماء: "العقل خادم جيد، لكنه سيد شرير"؛ وحين يستلم التفكير المفرط زمام القيادة، تتحول عقولنا إلى ساحات معارك لأحداث لم تقع، ومخاوف قد لا تأتي أبداً، فيتحول العقل إلى ما يشبه "الثقب الأسود" الذي يبتلع طاقة الإنسان ويحجب عنه رؤية النور في تفاصيل يومه.

 الانهماك في "ما وراء الأحداث" هو نوع من الشقاء الاختياري، وقد أدرك الإمام الشافعي هذه العلة النفسية قديماً حين قال: "سَهِرَت أَعينٌ وَنامَت عُيونُ .. في شُؤونٍ تَكونُ أَو لا تَكونُ

فَاِدرَأِ الهَمَّ ما اِستَطَعتَ عَنِ النَفـسِ فَحُملانُكَ الهُمومَ جُنونُ"

منبهاً إلى أن الانشغال بما في علم الغيب استنزاف للروح لا طائل منه، فدرء الهم عن النفس، ضرورة لحماية العقل من جنون الهموم المتراكمة.

والمخرج من هذا الثقب المظلم يبدأ بتوجيه هذه الطاقة المهدورة نحو أشياء نحبها، لنرمم بها ما أفسده القلق في دواخلنا. فحين تنشغل اليد بالبناء، أو القلم بالتدوين، أو الروح بالتأمل في جماليات الفن والأدب ونعم الله، يبدأ هذا الثقب بالانكماش، مفسحاً المجال لخطوط الضوء أن تعيد رسم ملامحنا من جديد.

كل فعل صغير نحبه هو بمثابة ردم لهذا الثقب، وبناء لجسر من الطمأنينة يعبر بنا فوق لُجّة الظنون إلى بر الأمان والسكينة.


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8283
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.