رحالة في سجن مصري
الحقيقة أن معظم المعلومات التي تخص الحياة اليومية والاجتماعية والسياسية للمصريين خلال فترة حكم محمد على وما بعدها، أو منتصف القرن التاسع عشر وما بعدها، وجدناها في كتابات الرحالة والأجانب الذين زاروا مصر في تلك الفترة، ولا توجد كتابات مصرية بالمعني الدقيق لوصف نمط الحياة التي كان المصريون يعيشونها في تلك الفترة.سوى ما كتبوه.
وبالرغم من أن المصريين لم ينعموا بيوم واحد بالحرية، فإن أحدا من المصريين لم يكتب عن تلك الفترة التي سبقت الوالي محمد على او حتى بعدها.
المؤرخون العرب لم يكتبوا عن حياة المصريين الأصليين أي الذين كانوا يعملون بالزراعة أو الحرف الأساسية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، ولكنهم كتبوا فقط عن الحكام وعن عساكر الحكام.
لأجل هذا لم نعرف مدي الظلم الذي كان يقع على المصريين.
وقد حدث ان زار مصر رحالة أيرلندي ريشارد بيرتون , الذي طبقت شهرته في الآفاق. وهو أول أوروبي يكتشف بحيرة أفريقيا , أجاد 25 لغة ولهجة , ألتحق بجامعة أوكسفورد وتركها , ثم عمل ضابطا في الجيش البريطاني في الهند أثناء حروبها مع السند [باكستان] , كما خطط لاكتشاف منابع النيل عن طريق دخول أفريقيا من ناحية اليمن , لأجل ذلك جاء إلى مصر سنة 1853ومنها إلى الحجاز ثم هرر ومنها عبر البحر الأحمر إلى أفريقيا , وكانت نتائج رحلته إلى مصر مؤلف ضخم بعنوان " رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز " وترجمه إلى اللغة العربية الدكتور عبد الرحمن عبد الله الشيخ .
سجل بيرتون في رحلته كل ما شاهده بالتفصيل، وقد أخذنا من كتاباته ما رصده عن الحالة الأمنية في مصر خلال تلك الفترة.
عندما وصل بيرتون إلى القاهرة كانت تحتفل بعيد الفطر في جو من إعلان الحرب على روسيا، أي أن مصر في تلك الفترة كانت في ظل ما يعرف بحالة الطوارئ.
يقول بيرتون أن القاهرة ازدحمت بالعمال المخطوفين، يقصد الأشخاص الذين جمعتهم الحكومة لأعمال السخرة، ويقول أنه حين يتجمع الناس في المساجد مثلا أو في المقاهي سارعت الشرطة فأغلقت الأبواب , وقبضت عنوة على القادرين بدنيا لتجنيدهم للخدمة العسكرية وقد ساقوهم ليجعلوا منهم جنودا , وقد طوقوا رقابهم بالأطواق المعدنية , وألتفت السلاسل حول أرساغهم , ومما زاد في كآبة المنظر أن زحام النسوة وهن يتبعن أبناءهن وإخوانهم وأزواجهن مولولات نائحات ,واضعات الطين والتراب فوق رؤوسهن وملابسهن المشقوقة . وفضلا عن هذا فقد امتلأت القاهرة بالشائعات عن المؤامرات والمتآمرين , والمسيحيون واليهود ترتعد فرائصهم خوفا من الاستعدادات المرعبة للعصيان المسلح والسلب والنهب , ويتهامس الناس بأن بضع مئات من المجرمين الخطرين قد أزمعوا إحراق القاهرة مبتدئين بحي البنوك , كما يزمعون نهب المصريين الأثرياء , ومما زاد في خطورة تلك الشائعات أن سمو عباس باشا كان غائبا عن القاهرة , وحتى لو كان في القاهرة فإن حضوره لم يكن يغني كثيرا , فالحاكم لا يستطيع أن يفعل شيئا نحو إعادة الثقة المملوءة بالذعر والخوف .
لأجل هذا تولت الشرطة المصرية مواجهة الأمر, وبدأ قادة الشرطة في التنمر, وصدرت الأوامر المشددة في مدن مصر الرئيسية بأن كل من يخرج من بيته بعد حلول الظلام دون أن يحمل معه فانوسا, سيقضي ليلته في مركز الشرطة.
يقول بيرتون أن الشرطة سحبت التصريح [تصريح أقامة الأجانب] , وحدث أن خرج بيرتون في الليل بدون فانوسه بعد الساعة الثامنة , او أنها أرسله مع خادمه إلى بيت صديق ينوي زيارته , فقبضوا عليه , ويقول بيرتون إنه كان يرتدي الزى الشرقي , وحدث أن العسس قابلوه ,وطوقوه , ثم استجوبوه , وقبضوا عليه , وقد حاول الإفلات من أربعة منهم , ولكنه وجد نفسه محاطا بدستة منهم أمسكوه من أكمامه وذيل جلبابه , وطوقوه من فوق عباءته الفضفاضة , ووجد نفسه يطير فوق سطح الأرض بتسع بوصات حوالي ربع متر , ولم تجد أقدامه شئ تلامسه سوي الهواء , ثم أمسكوا بتلابيبه , وانهمرت منهم الأسئلة : اسمك وجنسيتك وسنك ودينك ومهنتك . وسألوه عن سائر أحواله بشكل عام خصوصا كيس نقوده , ويقول بيرتون : انك أذا استجبت للطلب المغري بدفع قطعة نقدية فضية , فأنك تكون قد وقعت في شرك صغير , وعندها سيصوبون إليك بندقية قديمة الطراز ويستولون على كل مالك متهمين إياك بالعناد وتضييع الوقت , لكن إذا تظاهرت بأنك نسيت كيس نقودك في البيت , وهذا هو الأقرب إلى العقل , فإنهم يسبوك ويشتموك ويسحبونك بعنف إلى مكتب الضابط , وفي الطريق يدفعونك بعنف في ممر مقنطر يؤدي إلى ساحة , وقد أصطف العساكر في هذا الممر , , وكلما مررت بواحد منهم أعطاك "قفا" , أي ضربك على قفاك , ورغم غيظك وغضبك فسيدفعونك إلى سلالم تفضي إلى ممر طويل ممتلئ بكثيرين وقعوا في الورطة نفسها , ومرة أخري يسألك كاتب ذو نظرات مرعبة , عن أسمك وجنسيتك , ويدون كل هذا بدقة , فإذا لو توفق في الإجابة فإنهم يدفعونك إلى زنزانة المتهمين لتقضي ليلتك مع النشالين واللصوص , او خليط من المجرمين .
أما أذا كنت خبيرا بتلك المواقف , فإنك تصر على مثولك أمام باشا الليل , في هذه الحالة يخشي الكاتب أن يرفض طلبك , فيسرعون بك إلى مكتب الرجل العظيم "باشا لليل" أو الضابط النوبتجي في وقتنا الحاضر , وفي هذة الحالة ينمو لديك الأمل بأنك ستأخذ حقك من ظالميك , وعندها تجد ان صاحب المقام الرفيع جالسا , وأمامه محبره وقلم وأوراق , وفي يديه شيشة , وفنجان قهوة على مكتبه العريض المغطي بقماش من القطن القذر في غرفة واسعة أضاءتها باهته , وعن جانبه حارسان , ويقف أمامه على هيئة تصف دائرة المعتقلون الجدد يحثون بأصوات صاخبة , وعندما يجيء دورك فأن الحراس يطوقونك , جيدا لتمثل في حضرته , مخافة أن تنتهز اللحظة المواتية لتعتدي عليه او تقتله , فينظر لك الباشا نظرة ازدراء قاسية , ثم يشمخ بأنه , ويقول بعنف : هل أنت أعجمي ؟ ثم يأمر بإحضار الفلكة , وعلي الفور أعلن بيرتون أنه ليس أعجمي ولا فارسي , ولكنه هندي تحت الحماية البريطانية , عندئذ , حدق فيه الباشا , وهو رجل تعود على الطاعة ليخيفك , فتقوم أنت , كما هو مفترض , بالتحديق فيه , حتي تقنعه قسماتك , فيستدير إلى رجال الشرطة , ويسألهم عن تهمتك , فيقسمون جميعا في الحال بالله العظيم , أنهم وجدوك بدون فانوس , وانك كنت ثملا تضرب الناس المحترمين , وتعتدي على البيوت والحرمات , فتقوم أنت على الفور بأخبار الباشا بأنهم بكل وضوح بأنهم يأكلون السحت , فيقوم الباشا بالإيعاز لأحد الحراس بشم أنفاسك ,لمعرفة ما أذا كنت ثملا , يتقدم الحارس منك , وهو زميل للذين قبضوا عليك ,, ويقرب أنفاسه من شفتيك , وكما هو متوقع , فإنه يصيح " كخ ..وتبدو على وجهه التقطيبات التي تنم عن الاشمئزاز , ثم يقسم بلحية أفندينا أنه يشم الرائحة المثيرة للخمر , وربما أسفر هذا الإعلان عن ابتسامة شرسة للباشا الذي يميل كثيرا إلى مشروب الكونياك أو الكوارسو , وعندها يتدخل الباشا لصالحك , فيسمح لك بقضاء الليل على الدكة بالقرب من الممر الطويل مع شلة من الطفيليين .
وفي الصباح يستدعيك انكشارية قنصليتك، ويأتي مسئول منها، فيذكرون له جريمتك، ومرة أخري تذكر أسمك وعنوانك , فإذا كنت تهمتك مجرد استحضار الفانوس الخاص بك , فسيطلقون سراحك مع نصيحة أن تكون حذرا في الأيام القادمة .
وأذا ذكرت لهم انك أوروبي فإن السلطات المصرية سوف تفقد سلطتها عليك، لأن السلطات المصرية ليست لها سلطة على الغرباء .
بعد كل هذا فهل تغير الوضع منذ القرن التاسع عشر حتي بداية القرن الواحد والعشرين ؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك