الشركات الأمريكية الكبرى تدخل مرحلة الركود
موجة التسريح الكبرى: هل تعيش أمريكا فجر ركودها القادم؟
حين تُطفئ عمالقة التكنولوجيا الأضواء
لم يعد الأمر مجرد أرقام على شاشات وول ستريت. في مكاتب زجاجية مضاءة بالنيون على طول وادي السيليكون وفي قلب سياتل وسان فرانسيسكو، يُحزم عشرات الآلاف من موظفي التكنولوجيا أغراضهم ويغادرون مكاتبهم لآخر مرة.
الشركات الأمريكية الكبرى تشحذ مقصّ التسريح، والضحية هذه المرة ليست الأزمة المالية ولا جائحة عالمية، بل ما يُقال إنه ثورة الذكاء الاصطناعي.
ميتا: الرهان بالمليارات على حساب الموظفين
تعتزم شركة ميتا البدء في تسريح نحو 8000 موظف في مرحلة أولى تنطلق في العشرين من مايو الجاري، وهو ما يمثل نحو 10% من إجمالي قوتها العاملة البالغة قرابة 79 ألف موظف، مع توقعات بموجة تسريح إضافية في النصف الثاني من العام. (TNW | Facebook) وما يثير الاستغراب أن هذا لا يأتي من شركة تتعثر، بل من شركة تُحطم أرقام أرباحها. فميتا ترصد ما بين 115 و135 مليار دولار للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال عام 2026 وحده، أي ما يقارب ضعف ما أنفقته عام 2025. (TNW | Facebook)
المفارقة اللافتة أن الشركة منحت كبار مسؤوليها التنفيذيين خيارات أسهم تُقدَّر قيمتها بنحو 921 مليون دولار لكل منهم، مرتبطة بهدف بلوغ قيمة سوقية تبلغ 9 تريليونات دولار بحلول عام 2031 (TNW | Facebook) — وذلك في الوقت ذاته الذي كانت فيه تُسرّح مئات الموظفين.
أمازون وأوراكل: الآلة تأكل موظفيها
أما شركة أمازون، فقد كشفت عن تسريح 16 ألف وظيفة في موجتها الأخيرة، لتتجاوز إجمالي التخفيضات منذ بداية مسيرة الرئيس التنفيذي آندي جاسي نحو الكفاءة الرقمية ما يزيد على 30 ألف وظيفة. (CNN) (ABC News) والأكثر دلالةً من ذلك أن أمازون نشرت روبوتها الحادي عشر بعد المليون في مستودعاتها مطلع 2026 (CNN) ، كاشفةً عن مخطط منهجي لاستبدال العمالة البشرية طبقةً بعد طبقة.
وفي السياق ذاته، أجرت أوراكل واحدة من أضخم موجات التسريح عالمياً في 2026، بإقالة ما يصل إلى 30 ألف موظف حول العالم، بما يمثل نحو 18% من قوتها العاملة، لتمويل استثماراتها الضخمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. (Newsweek)
وادي السيليكون ينزف: أرقام مذهلة
تجاوز إجمالي وظائف قطاع التكنولوجيا التي جرى تسريحها في 2026 حتى الآن 95 ألف وظيفة موزعة على 247 حدثاً من أحداث التسريح، بمعدل يناهز 882 وظيفة تُفقد يومياً.
(TNW | Facebook) وتتصدر مدينة سياتل قائمة المدن المتضررة، إذ طال التسريح نحو 16 ألف وخمسمائة موظف في تقنية المعلومات فيها خلال الربع الأول وحده، بينما شهدت سان فرانسيسكو تسريح ما يقارب 9400 موظف. (Tech Insider)
والأثر الاقتصادي لا يقتصر على العمال أنفسهم؛ فمعدل شغور المكاتب في سان فرانسيسكو بلغ 36.7% في الربع الأول من 2026، ومن المتوقع أن يُفضي كل وظيفة تقنية مفقودة إلى خسارة ما بين 3 و5 وظائف في قطاعات الخدمات المحيطة بها. (Tech Insider)
الذكاء الاصطناعي: ذريعة أم حقيقة؟
ثمة تناقض لافت يُخيّم على هذا المشهد: ما يميز موجة التسريح الحالية عن سابقاتها أن الشركات لا تُسرّح بسبب ضعف السوق أو تراجع الأرباح، بل تفعل ذلك لتمويل بنيتها التحتية في الذكاء الاصطناعي، مع تقليص الموظفين عبر أنظمة رصد إنتاجية داخلية تعمل بالذكاء الاصطناعي ذاته. (Tech Insider) بمعنى أن الآلة تُشرف على اختيار ضحاياها.
شبح الركود التضخمي يُطرق الأبواب
لا تقف المخاوف عند حدود قطاع التكنولوجيا، الخطر الأكبر الذي يُقضّ مضجع الاقتصاديين هو الركود التضخمي، ذلك السيناريو النادر الذي يجمع بين ارتفاع التضخم وتراجع النمو في آنٍ واحد. وما يُعقّد المشهد أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يواجه معضلة حقيقية: رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم يُغرق الاقتصاد في كساد أعمق، وخفضها لإنعاش النمو يُذكي التضخم من جديد. (Stanford Institute for Economic Policy Research).
الصدمات النفطية التي تضرب اقتصاداً يعاني أصلاً من ضعف الطلب وأعباء ديون مرتفعة تكون أشد فتكاً:
الشركات لا تستطيع تحميل ارتفاع تكاليفها للمستهلكين، فتنكمش هوامش الربح، وتتصاعد التسريحات، وتتراجع الاستثمارات. (Seeking Alpha)
تتوقع المؤسسات الاقتصادية الكبرى أن يتراوح معدل البطالة بين 4.4% و4.5% خلال 2026، مع نمو اقتصادي متواضع قرب 2%، وهو أداء أضعف مما شهدته السوق في أعوام 2022 و2023، وإن كان لا يزال بعيداً عن عتبة الركود الرسمي. (Dimensional Search).
خلاصة: "إعادة هيكلة" أم انسحاب استراتيجي؟
المشهد الكامل يكشف شيئاً أعمق من مجرد "تحسين الكفاءة": النخب التجارية الأمريكية تُعيد رسم خرائطها الداخلية بسرعة لافتة، مُحوّلةً مئات المليارات نحو الذكاء الاصطناعي، ومُقلّصةً قواها البشرية في اللحظة ذاتها التي تتراكم فيها ضغوط اقتصادية كليّة متشابكة.
والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل يُعيد الذكاء الاصطناعي فعلاً رسم ملامح الاقتصاد، أم أنه يُوفّر غطاءً مريحاً لقرارات كانت ستُتّخذ في كل الأحوال؟
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك