من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

العالِم المجنون – يحيى مراد

عاطف أحمد
العالِم المجنون – يحيى مراد




في يومٍ من الأيّام، وتحديدًا في مدينة الإسماعيليّة، عروسِ القناة، كان بطلُ قصّتِنا شابًا يُدعى يحيى مراد. شابٌ كان يرى في كلّ تفصيلةٍ في هذا العالم آلةً تحتاج إلى الضبط، وكان يملك هوسًا عجيبًا بتحويل الأفكار إلى أشياء ملموسة.


بدأت حكايته في مختبره الصغير وسط الأزقّة القديمة التي ظلّت محافظةً على روحها رغم التقدّم العلمي. وبالرغم من بساطة بيئته، نجح يحيى في الحصول على الدكتوراه مبكرًا، فكان ذلك حدثًا كبيرًا لأهله وجيرانه.


بعدها قرّر أن يسافر إلى أوروبا لينمّي أفكاره. قضى هناك سبع سنواتٍ من البحث والتجربة، وأعجب الأساتذة بعبقريّته، لكنّه لم يشعر بالانتماء. كل ما أراده هو العودة إلى بيته القديم… المكان الذي زرع فيه بذرة حلمه.


عاد لا رغبةً في شهرة ولا مال، بل ليُحوِّل فكرته إلى حقيقة. ثلاث سنواتٍ أمضاها في مختبره الخلفي يعمل في هدوءٍ وشغف، حتى ابتكر جهازًا غريب الشكل… يشبه طاولة قهوة، لكنه كان يحمل سرًّا لا يشبه أيّ شيءٍ عرفه العالم.


سمّاه "المرآة".

ولم تكن مرآةً للصور… بل مرآةً للأفكار.


جهازٌ عصبيٌّ اصطناعي يلتقط موجات الدماغ ويحوّلها إلى مادة واقعيّة. جرّبها على زهرة… كرة ورقية… ضوءٍ ينفجر ثم يتجمّد. اندهش من قدرته، لكنه شعر بثقل مسؤولية لا تشبه الفرح.


جمع الناس والباحثين والصحفيين لعرض اختراعه. طلب من أحد الحضور أن يتخيّل شيئًا طائرًا.

فترددت الأنفاس… ثم ظهر طائرٌ من وسط الجمع.

صرخ الناس: “معجزة!”


لكن الطائر لم يهبط كما تخيّله الرجل.

هاجم الناس… مزّق أقمشة الخيمة… واشتعل الرعب.


حينها أدرك يحيى الحقيقة المرعبة:

المرآة لا تعكس الفكرة فقط… بل تعكس الشعور المصاحب لها.

الخوف يصبح وحشًا.

القلق يصبح ظلًّا مشوّهًا.

الحزن يتحول إلى شكلٍ ناقصٍ من الحقيقة.


ومن هنا بدأت الكارثة.


أصبحت الإسماعيلية ساحة فوضى:

شارع يتحوّل إلى غابة،

منزل يصبح هُلامًا،

أعمدة إضاءة ترقص،

طرقٌ تنقلب أنهارًا.

طفلة تتخيّل دبًا يحميها… فيظهر دبّ أكبر من قدرتها على الحلم.


الإعلام العالمي سمّاه: "العالِم المجنون".


لكن الأسوأ لم يأتِ بعد.


في ليلةٍ رعدية، استيقظ يحيى على بكاءٍ في الشارع. وجد على الحائط جدارية لابنته الراحلة ليلى، التي ماتت منذ عشر سنوات. لكنّ الرسمة كانت تبكي بعينين فارغتين ويديْن ممتدتين كأنها تستغيث به.


انهار شيء ما داخله.

عاد الألم القديم، وتلوّثت المختبرات بالتوجّس.

وهنا وُلد السؤال القاسي:

هل يعيد ابنته؟

هل يرضخ لحزنه؟

هل يجلب للعالم صورة لا تنتمي إليه؟


في لحظة ضعفٍ بشريّ، استدعاها.

ظهرت.

لكنها لم تكن ليلى… كانت ظلًّا مكسورًا منها. صوتها خافت، تطلب أن تبقى. وحين حاول الإمساك بها، تبخّرت يدها كالبخار.


هنا أدرك يحيى أنه لم يعد يملك رفاهية الخطأ.

يجب أن يُصلح ما صنعه.


تطوّع شباب الحي، وصحفيون نادمون، وعلماء صغار. خططوا لإعادة ضبط المرآة كي تبتلع طاقة الأفكار المتولّدة في المدينة، وتعيد الواقع إلى وضعه الطبيعي. كان العمل خطيرًا، وأي خلل قد يتسبب في دمارٍ مضاعف.


وفي ليلةٍ مصيرية، جمعوا الناس في ساحة المدينة، ووقف يحيى بينهم منهكًا، وقال:


"سأدفع ثمن تجربتي.

سأعيد ما خلقتُموه إلى رؤوسكم."


وضع يده على المرآة.


بدأت الأحلام المرعبة تتلاشى على هيئة موجاتٍ ضوئية.

الأشجار، المنازل، الظواهر… كل شيء يعود إلى مكانه كأن المدينة تُرسَم من جديد.

الدبّ العملاق يذوب،

والمظاهر العشوائية تتبخر.


لكن الثمن كان فادحًا.


وصل الجهاز إلى ذروة امتصاصه…

ولم يكن هناك سوى جسد واحد يمكن أن يتحمّل الفداء.

فسقط يحيى في حالةٍ تشبه السبات،

وتحوّلت المرآة إلى كرة ضوءٍ بطيئة الانطفاء.


شعر الناس بفراغ غريب… كأنهم فقدوا جزءًا من خيالهم المشوّه.

هدأت المدينة، وصار العالم أقل سحرًا.


نُقِل يحيى إلى مختبره الصغير.

لم يفقد وعيه تمامًا… كان يبتسم أثناء نومه، كأنه يرى شيئًا جميلاً:

ابنته…

العالم…

أو ربما شيئًا أبعد من الفهم.


وبقي اختراعه سرًّا لا يُدرَّس في أي جامعة. محفوظًا في دفتر جلديّ تركه خلفه، مكتوبٌ على غلافه بخطّه المرتجف:


"الفكرة ليست خيالية… بل أثرها.

احذروا ما تتمنّون."


غادر يحيى وترك المدينة تتعافى…

وترك خلفه السؤال الأكبر:


هل يستطيع العلم إعادة الذين فقدناهم؟

وهل يكفي أن نكون عقلاء لنحتمل ما نخلق؟


#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8308
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.