من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

علم النفس أزمة فهم أم إهمال متعمد

محمد صلاح زكريا / أخصائى نفسى - كاتب و عضو اتحاد كتاب مصر
علم النفس أزمة فهم أم إهمال متعمد


 منذ التحاقي بالمدرسة، درست العديد من المواد العلمية باختلاف درجات صعوبتها وأساليب معلميها، لكن المفارقة والإحساس المختلف جاءا عندما درستُ علم النفس فى المرحلة الثانوية فقد وجدت فيه مفاهيم تتحدث عني وتعبر عن داخلي. وكنتُ محظوظًا بأن معلمة علم النفس كانت تتميز بصفات مختلفة عن باقي المعلمين .

وهو ما دفعني لاختيار قسم علم النفس بعد أن رشّحني تنسيق الثانوية العامة لكلية الآداب، لأتخصص في هذا العلم ذي البحر الواسع، ويزداد يقيني بأن مشكلات حياتنا والعالم جديرة بأن يسهم علم النفس في فهمها والمساعدة على حلّها.

و بدلا من أن تهتم وزارة التربية والتعليم بالعلوم الإنسانية و تتطور من علم النفس و الفلسفة و المنطق للأسف مع كل تطوير لنظام الثانوية العامة تتعرض تلك العلوم للتهميش و تصبح مواد اختيارية تجعل الطلاب يعزفون عنها و تدخل فى دائرة النسيان 

و في ظل ما يشهده العالم اليوم من تسارع في وتيرة الحياة، وضغوط نفسية متزايدة، وتحديات اجتماعية معقدة، لم يعد علم النفس مجرد تخصص أكاديمي يدرسه بعض الطلاب، بل أصبح ضرورة حياتية تمس كل فرد في المجتمع. ففهم النفس البشرية، وإدراك دوافع السلوك، والقدرة على إدارة المشاعر والانفعالات، كلها مهارات لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة.

ومع ذلك، يثير قرار جعل مادة علم النفس مادة اختيارية في المسار الأدبي بنظام البكالوريا تساؤلات جدية حول مدى إدراكنا لأهمية هذا العلم. ففي وقت تتزايد فيه معدلات القلق والاكتئاب، وتنتشر فيه ظواهر خطيرة مثل الانتحار وجرائم القتل وجرائم الأحداث، يصبح من غير المنطقي تهميش مادة تُعنى أساسًا بفهم هذه الظواهر والوقاية منها.

إن علم النفس لا يقتصر على تشخيص الاضطرابات أو علاجها، بل يمتد ليشمل بناء شخصية متوازنة، وتعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وحل المشكلات بطرق عقلانية. كما يساعد الطلاب على فهم ذواتهم والتعامل مع ضغوط الدراسة والحياة بشكل صحي، مما ينعكس إيجابيًا على تحصيلهم الدراسي وسلوكهم العام.

ولا يمكن الحديث عن التربية النفسية داخل المدارس دون التأكيد على الدور المحوري للأخصائي النفسي، الذي يُعد خط الدفاع الأول في رصد المشكلات السلوكية والانفعالية لدى الطلاب والتعامل معها مبكرًا قبل أن تتفاقم. فالأخصائي النفسي ليس مجرد موظف، بل هو عنصر أساسي في بناء بيئة تعليمية آمنة وداعمة، يعمل على تقديم الدعم النفسي، والإرشاد الفردي والجماعي، والتدخل في الأزمات، والتعاون مع الأسرة والمعلمين لتحقيق التوازن النفسي للطالب.

كما أن وجود الأخصائي النفسي الفعّال يسهم في الحد من ظواهر خطيرة مثل التنمر، والعنف المدرسي، والانطواء، والتسرب من التعليم، بل وقد يمتد دوره إلى الوقاية من السلوكيات الأكثر خطورة مثل إيذاء النفس أو التفكير في الانتحار. ومن هنا، فإن تفعيل دوره يتطلب دعمه إداريًا ومهنيًا، وتوفير الإمكانات اللازمة له، ومنحه المكانة التي تليق بأهمية عمله.

إن التربية النفسية داخل المدارس لم تعد رفاهية، بل ضرورة ملحة تفرضها طبيعة العصر. فهي تُعنى ببناء الإنسان من الداخل، وتُكسبه مهارات التكيف، والمرونة النفسية، والقدرة على مواجهة الأزمات. ولذلك، يجب أن تحظى باهتمام كبير من قبل صناع القرار، وأن يتم دمجها بشكل منهجي في المناهج الدراسية والأنشطة التربوية.

إن الاستثمار في تعليم علم النفس، وتفعيل دور الأخصائي النفسي، وتعزيز التربية النفسية في المدارس، هو استثمار في الإنسان ذاته، في وعيه واستقراره، وفي أمن المجتمع وسلامه. وإذا كنا نسعى لبناء مجتمع سليم نفسيًا وأخلاقيًا، فلا بد أن نعيد لهذا العلم مكانته التي يستحقها في مدارسنا، وأن ندرك أن تجاهله قد يكلفنا الكثير .

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8313
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.