من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

رؤية ذائقئة لقصة "جُرح قديم " للأديب مصطفى الخطيب

بقلم إيمان العسال
رؤية ذائقئة لقصة


لا يتعامل نص "جُرح قديم " مع ألزهايمر بوصفه عارضًا مرضيًا فحسب ، بل قدمه كآلية تفكيك للذات ، الذاكرة هنا لا تضيع بقدر ما تُعيد ترتيب نفسها وفق منطق خفي ، يستبقي ما هو أعمق رسوخًا ، فالسرد لا يسير في خط مستقيم ، يتقدم ويتراجع ، عاكسًا اضطراب الداخل أكثر مما يصف الخارج ، وهو ما يمنح النص صدقًا نفسيًا واضحًا .

البداية محملة بكثافة إنسانية لافتة ؛ سؤال بسيط " عرفتني يا حبيبي ؟" يكفي لفتح جرح الهوية دون حاجة إلى شرح ، إلا أن هذا التماسك الأولي لا يستمر بالقدر نفسه إذ ينتقل السرد إلى مشاهد أخرى ـ فوضى داخلية ، ثم الطبيب ، ثم المرآة ـ بقفزات تبدو أحيانًا غير ممهدة شعوريًا، وهنا لا تكمن المشكلة في غياب الترابط بقدر ما تكمن في ضعف الخيط الذي يربط الفقرات ، فالأفكار متصلة من حيث الجوهر ، لكن الانتقالات لا تمنح القارئ فرصة كافية لإلتقاط هذا الإتصال.


اعتمد الأديب مصطفى الخطيب على المشهدية في كتابة النص لكن يبدو أن الانتقال من مشهد الوجوه بالفقرة الأولى إلى لحظة الفزع من النوم إشكاليا من حيث البناء السردي ، إذ يأتي دون تمهيد كاف ، بما يخلق إلتباسًا حول طبيعة المشهد السابق أهو واقع أم امتداد لحُلم ، وهو إلتباس كان يمكن أن يُحسب للنص لو تم تأسيسه أسلوبيا ، لكنه هنا يبدو لأقرب إلى قفزة غير مدارة .


ننتقل لبعض التفاصيل ، يطرح حضور الملفات القديمة تساؤلًا حول مصداقية المشهد ، خاصة في ظل طبيعة الوظيفة التي شغلها البطل ، إذ يصعب منطقيًا احتفاظه بملفات رسمية بمنزله ، ورغم ما تحمله هذه الملفات من رمزية بوصفها بقايا هوية مهنية ، فهى لم تفعل داخل النص لإنها عالقة بين الواقع والمتخيل .


الفقرة الخاصة بالطبيب تنفصل عن النسيج السردي ، تُقدم خطابًا مباشرًا ، بينما النص في مجمله يعتمد على الإيحاء والرمز، فهى تشرح ما كان يمكن أن يُجسد ، فتضعف الأثر بدل أن تُعمقه.


أما على مستوى الرموز فتبدو المرآة ـ رغم استهلاكها ـ قادرة على استعادة جزء من فاعليتها ، لأنها لا تعكس صورة العجوز ، بل تتحول تدريجيًا إلى بوابة زمنية ونفسية تنقل الشخصية من مواجهة الحاضر إلى استدعاء الماضي.

ويكتمل هذا المسار بحضور الستارة التي لا تُخفي المرآة بقدر ما تمثل محاولة تأجيل المواجهة ، حجب المرآة لم يكن فعلًا صادرًا عن البطل ، فهو ليس بفاعل ، لكن الزوجة هى مَن فعلت بدافع الحنو .فتحول الحجب من فعل إرادي إلى تدخل خارجي يفرض على الذات شكلًا من اشكال الحماية التي لا تلغي الحقيقة ، بل تؤخرها .


ظهور الطفل هو لحظة الذروة الحقيقية للنص ، هذا الظهور لا يخلو من تفاصيل دقيقة تحمل دلالات تجاوز ظاهرها ، الحاجب هو حدًا بين العين والعقل ، وكأن التشوه لم يقع على الرؤية أو في الفكر ، بل في الصلة بينهما ، ويزداد المعنى عمقًا حين يُحدد الجرح في الجانب الأيسر بما يحمله من دلالات رمزية مرتبطة باللاشعور ، فالأثر القديم علامة على خلل دفين في الوعى.

ولا ينفصل هذا التفصيل عن دلالة العنوان ذاته ، الجُرح القديم ليس محصورًا في الأثر الظاهر على حاجب الطفل ، بقدر ما يشير لجُرح أعمق ، لم يُعالج ، فالجرح الخارجي هو صدع داخلي ممتد .

في هذا السياق لا يبدو ألزهايمر فقدانًا بقدر ما هو استرجاع قسري لما لم يُعاش كما ينبغي ، فالطفل ذاتًا مهجورة تعود لتطالب بحقها في الوجود وهو ما يمنح النص بُعدًا وجوديًا يتجاوز حيز المرض وهنا يفرض السؤال نفسه : هل باستطاعتنا أن ننسى أم إننا ندفن ما لا نتحمله ؟ 

أيضًا عندما يختفي الطفل في نهاية النص يستنفذ ما تبقى من الذات ، وصولًا للحظة الفراغ التي تجسدها المرآة الصامتة .

وإذا كان النص يقدم ألزهايمر بوصفه حالة مرضية واضحة ، فإنه لا يمنع في الوقت ذاته قراءة أعمق ترى أن النسيان يتجاوز حدوده الحسية ، وأن النفس أعياها الاحتمال فتنسحب تدريجيًا ، لكن ما يُراد نسيانه يظل قادرًا على العودة .

جُرح قديم تجربة سردية غنية ، تنجح في لحظاتها الصامتة ، أكثر مما تنجح في لحظات الشرح ، نص يحمل طاقة فلسفية واضحة ، ويلامس منطقة إنسانية عميقة.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8314
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.