من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

العطش الكبير: حين تشحّ الأنهار وتجفّ البحيرات في إيران والعراق وتركيا

القاهرة : " نقاش "
العطش الكبير: حين تشحّ الأنهار وتجفّ البحيرات في إيران والعراق وتركيا



 ليس جفافاً عابراً


ثمة أزمة صامتة تتبلور في قلب الشرق الأوسط، لا تُحدث ضجيج المعارك، لكن تداعياتها قد تكون أشدّ وطأةً  من الصراعات المسلحة.

الماء، الذي كان يوماً حقاً مكفولاً للجميع، بات اليوم بضاعة نادرة وسلاحاً سياسياً في يد من يمسك بمنابع الأنهار. وتقف ثلاث دول في عين هذه العاصفة: العراق الذي يرتوي تاريخياً من دجلة والفرات، وإيران التي تكابد أسوأ جفاف منذ نصف قرن، وتركيا التي تمسك بزمام المنابع وتبني بلا توقف.


أولاً: العراق... حضارة تموت عطشاً


يقف العراق، مهد الحضارات التي نشأت بين نهرين عظيمين، في مواجهة أزمة مائية غير مسبوقة في تاريخه الحديث. يحذّر المسؤولون من انخفاض احتياطيات المياه الاستراتيجية للبلاد إلى أدنى مستوى لها منذ ثمانين عاماً  ، فيما باتت صورة نهر الفرات جدباء شاحبة لا تمتّ بصلة إلى النهر الذي غذّى سومر وبابل وآشور.

الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة: تراجعت إيرادات نهر دجلة الواردة من تركيا بنسبة تتجاوز 60% مقارنة بمتوسطات الثمانينيات والتسعينيات، فيما لا تتجاوز التدفقات الحالية لنهر الفرات 30% من معدلاتها التاريخية  .

والأخطر من ذلك أن إجمالي الخزين المائي المتاح لا يكفي سوى ثلاثة أشهر من الاستهلاك إذا استمرت معدلات السحب الحالية .


السد الذي غيّر كل شيء


تعود جذور الأزمة إلى قرارات استراتيجية تركية بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي. أطلقت تركيا مشروع جنوب شرق الأناضول الكبير الذي يشمل بناء 22 سدًا، أبرزها سد أتاتورك على الفرات وسد إيليسو على دجلة  ، وقد بات هذان السدان بمثابة صمّامَين تتحكم بهما أنقرة في إمدادات المياه إلى دول المصبّ.

وتكشف الأرقام الرسمية العراقية حجم التبعية: نحو 70% من الموارد المائية العراقية تتدفق عبر تركيا (50%) وإيران (15%) وسوريا (5%) ، وهو ما يجعل العراق رهينةً لسياسات جيرانه المائية.


وقد تدهور الوضع بشكل لافت في خريف 2025، إذ أكدت وزارة الموارد المائية العراقية أن كميات المياه المتدفقة من تركيا لا تتجاوز 30% من احتياجات البلاد  ، وهو ما دفع لجنة الزراعة والمياه النيابية إلى اتهام تركيا صراحةً بعدم الالتزام بالاتفاقيات الموقعة حول حصص المياه .


إيران تقطع ما تبقّى


لا يقتصر الضغط على العراق من جانب تركيا وحدها، إذ تتحمل إيران قدراً كبيراً من المسؤولية.

يشير أستاذ العلاقات الدولية الدكتور علي أغوان إلى أن 45 رافداً مائياً وجدولاً يأتي من إيران إلى العراق، جُفِّف 43 منها إما ببناء سدود لحصاد المياه أو بتغيير مساراتها، أو بتحويلها إلى مياه غير صالحة للشرب أو الزراعة .

وقد عمدت إيران إلى تغيير مجرى المياه المغذّية لنهر دجلة نحو خزانات جديدة داخل أراضيها، وقطعت المياه عن نهر الوند المار بمحافظة ديالى ونهر الزاب بمنطقة السليمانية  .


كارثة اجتماعية 


تداعيات الأزمة لا تبقى في قنوات الري؛ فقد باتت تمسّ صميم حياة الملايين. هجرت آلاف العائلات في ذي قار والمثنى أراضيها الزراعية باتجاه أطراف بغداد ومدن الوسط، كما ارتفعت نسبة البطالة الريفية إلى مستويات تفوق 40%  .

وفي محافظة البصرة، بدأ توصيل مياه الشرب للمواطنين عبر الحوضيات، أي الصهاريج المتنقلة  ، في مشهد ينمّ عن درجة المأساة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، لجأ العراق أخيراً إلى خيار مثير للجدل؛ وقّع وزير خارجيته فؤاد حسين اتفاقية مع تركيا وصفها بأنها ضرورية لحماية الأمن المائي، مقرّاً بأن بغداد عانت طويلاً من ضعف موقفها بسبب غياب معاهدات رسمية تنظم استخدام مياه النهرين ، غير أن المعارضين يرونها تنازلاً عن السيادة المائية.


ثانياً: إيران... حين تستسقي دولة النفط


لا يظنّ كثيرون أن إيران، بكل ثقلها الجيوسياسي ونفطها وثرواتها الطبيعية، يمكن أن تصل إلى حافة العطش. غير أن المشهد في نهاية عام 2025 يُفنّد هذا الظنّ.

دفعت أزمة المياه الرئيسَ الإيراني مسعود بزشكيان إلى التحذير من أن طهران، عاصمة خمسة عشر مليون نسمة، قد تواجه خطر الإخلاء إذا استمر شح الأمطار .

ووصل سدّ لاتيان، الواقع قرب طهران، إلى نسبة امتلاء 9% فقط، فيما بلغ سد أمير كبير 8% من طاقته الاستيعابية  .

والأشدّ دلالةً أن مدير سد كرج أعلن أن معدل هطول الأمطار انخفض 92% مقارنة بالعام السابق، إذ لم يتبقَّ في الخزان سوى 8% من المياه، معظمها غير صالح للاستخدام  

ثلاثة عوامل متضافرة 


لا يُحيل الباحثون أزمة المياه الإيرانية إلى سبب واحد، بل هي نتاج تضافر عوامل متراكمة عبر عقود:

أولها التغير المناخي:

سجّلت إيران في خريف 2025 أكثر الخريف جفافاً منذ خمسين عاماً، إذ انخفض هطول الأمطار في جميع أنحاء البلاد بنحو 89% مقارنة بالمتوسط التاريخي طويل المدى .

وثانيها سوء الإدارة:

تفقد المدن الإيرانية بين 25 و30% من مياهها بسبب التسرب وتردّي البنية التحتية، فيما استُنزفت المياه الجوفية استنزافاً مفرطاً عبر أكثر من 500 ألف بئر غير مرخصة .

وقد بلغ الإفراط في استخراج المياه الجوفية حدّه الأقصى، فصُنِّفت بحلول عام 2025 أكثر من 422 سهلاً على أنها مناطق محظورة، منها 359 سهلاً تعاني هبوطاً أرضياً حاداً .

وثالثها العقوبات الدولية:

التي حرمت إيران من استيراد التكنولوجيا اللازمة لمعالجة المياه وترشيد استهلاكها.


بحيرة أورميا: نعيٌ لأيقونة بيئية


لا تجسّد أزمة المياه الإيرانية مكاناً أكثر مما تجسّده بحيرة أورميا في شمال غرب البلاد. كانت يوماً واحدة من أكبر البحيرات شديدة الملوحة في العالم، قبل أن تتحوّل إلى صحراء ملحية شاسعة تُطلق عواصف ملحية تهدد خصوبة التربة وتفاقم الأمراض التنفسية للسكان .

وتبدأ هذه المأساة من عام 1995، ولم تتوقف منذ ذلك الحين.


ثالثاً: تركيا... المفارقة الكبرى


في مفارقة لافتة، تواجه تركيا بدورها مشكلات مائية لا يدركها كثيرون؛ إذ تعاني مدن كبرى من انخفاض منسوب السدود، كما يتصاعد الطلب على المياه مع النمو السكاني والتوسع الزراعي لمشروع GAP ذاته الذي بُني للاستفادة من الأنهار. غير أن موقع تركيا في المنبع يجعلها في وضع مختلف جوهرياً عن شريكَيها في الأزمة.


رابعاً: الجوهر المشترك للأزمة


يتقاطع المشهد في الدول الثلاث عند معالم مشتركة يُجمع عليها الباحثون:

التغير المناخي يُلقي بظلاله على المنطقة بأسرها، وهو يفاقم شُحّاً مائياً بنيوياً سابق لا يصنعه وحده. وسياسات السدود الأحادية، التي تُنجز دون تشاور أو اتفاقيات ملزمة، تحوّل الأنهار من موارد مشتركة إلى أوراق ضغط سياسي.

وغياب الإدارة الرشيدة للمياه محلياً، من هدر الري التقليدي إلى الاستنزاف الجوفي غير المنظّم، يُعجّل الكارثة.

وفوق ذلك كله، يجعل غياب الاتفاقيات المائية الملزمة بين الدول الثلاث العراقَ، وبدرجات أقل إيران، الحلقةَ الأضعف في معادلة تقاسم المياه  .


خاتمة:

سباق مع الزمن

حين يتساءل الرئيس الإيراني علناً عن إمكانية إخلاء طهران، وحين يُوزَّع الماء في البصرة بصهاريج، وحين تُعقد صفقات تبادل النفط بالماء بين دول كانت جيرانها بالأمس؛ فإننا لا نكون أمام أزمة بيئية عارضة، بل أمام إعادة رسم لخريطة القوة في منطقة ظلت نزاعاتها طويلاً تدور حول النفط.

الماء يُصبح النفط الجديد. والذي لا يملك منابعه اليوم، قد يجد نفسه رهينة لمن يملكها غداً.

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8322
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.