من نحن اتصل بنا سياسة الخصوصية
×

ولا بلد

بقلم: صلاحُ الدِّينِ عثمان
ولا بلد



اِنشغلَ بالي بوجهِها المُشرقِ وهي تجلسُ في مطعمِ الفولِ تُثبِتُ نظرَها على العاملاتِ. 

كان الصباحُ قد أشرقتْ شمسُهُ في مفترقِ الطُّرقِ، والموقفُ يموجُ بحشدٍ متنوِّعٍ يتسابقونَ إلى الزادِ. 

اقتربتُ منها وألقيتُ السلامَ.

- عذرًا أيُّها الضيفُ، إنَّها المسؤوليَّةُ، فهي سمعتُنا.

- أُقدِّرُ ذلك.

- نحنُ نُراعي سدَّ قوتِ الناسِ في حالِ السفرِ.

- إنَّهُ موقعٌ متفرِّدٌ في نقطةٍ قريبةٍ من النيلِ، قبلَها صحراءُ وبعدَها كذلك.

- قد تكونُ مراسلَ جهةٍ إعلاميَّةٍ.

- أُتابعُ سيرَ هذه الرحلةِ إلى منتهاها.

- الناسُ تُعاني، وقد ترى العاملاتِ معي كلَّهُنَّ من النَّازحاتِ.

- عساهُ يسدُّ رمقَ المعاناةِ إلى حينٍ.

- أمامي بعضُ الوقتِ حتّى يحضرَ زوجي لأعودَ معه.

تناولَ حديثُنا فيضًا من ضوءٍ على مسارِ حياتِها. 

هذا المطعمُ متخصِّصٌ في وجبةِ الإفطارِ فقط. 

اهتدتْ إلى ذلك فهي متزوِّجةٌ من صاحبِ مزارعَ للفولِ المصريِّ، وبعدَ الحركةِ التجاريَّةِ في هذا المكانِ عملتْ على إعدادِ هذه الوجبةِ الصباحيَّةِ. 

 تعرَّفَ إليها في دارِ أبيها بعدَ طلاقِها من زوجِها الأوَّل، وكانَ يَعلَمُ أنَّهُ عَقِيمٌ، وهو ما وافقَ رغبتَها. 

عاشتْ معهُ تُنظِّمُ أعمالَهُ التجاريَّةَ اعتمادًا على دراستِها للمحاسبةِ، وتشغلُ بقيَّةَ يومِها في تعليمِ الراغباتِ على الشَّبكةِ العنكبوتيَّةِ.

تواصَلَ حديثُنا حتّى قدومِ زوجِها، والذي كانَ ينتظرُها خلفَ مقودِ السيَّارةِ. 

تحرَّكتْ معي لتبدأَ فقرةً هامَّةً من تاريخِ حياتِها.

- حينَ كنتُ تلميذةً في المرحلةِ الثانويَّةِ كان يُدرِّسُني مادَّةَ الرِّياضيَّاتِ أحدُ المعلِّمينَ الوافدينَ.  

تقدَّم إليَّ بنهايةِ المرحلةِ وأقنعَ والدي بأن يتزوَّجَني ويرحلَ بي إلى بلادِه نهايةَ الانتدابِ.

  التحقتُ بالجامعةِ فعلًا.

  وواصلتُ الدِّراسةَ بالانتسابِ بعدَ وصولِ طفلِي.

  ولكنْ سرعانَ ما أخذتْهُ الغيرةُ وأنا أعملُ.

  وتنامى الخلافُ وساومَني على العودةِ إلى دارِ أبي بتنازُلي عن طفلِي.

  وعدتُ منذُ سنواتٍ بعيدةٍ ولا تواصُلَ.

  وانغمستُ في حياتي الجديدةِ.

فتحتْ بابَ السيَّارةِ وودَّعتني بعبارتِها التي ما زلتُ أُردِّدُها:

نحنُ أحرارٌ ولكنْ… ولا بلد.


الإسكندريَّة ٢٢ أبريل ٢٠٢٦م

#نقاش_دوت_نت 

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد

أضف تعليقك

8325
سيتم مراجعة تعليقك قبل نشره للتأكد من التزامه بقواعد المجتمع.