هرمز مرآة لنظام عالمي يتفكك: إيران تنزف ولا تنهار، والصين وروسيا ترسمان خريطة جديدة بلا أمريكا
لا يمكن إنكار أن الاقتصاد الإيراني يعاني اليوم من أزمة حادة غير مسبوقة منذ عقود، لكن وصف هذه الأزمة بأنها انهيار كامل يحتاج إلى تمحيص دقيق. فالمؤشرات الاقتصادية الموثقة تشير إلى واقع صعب، ولكنها لا ترقى بعد إلى مستوى الانهيار الوجودي للنظام أو الدولة. فالتضخم يتحرك بشكل مقلق، حيث حذر البنك المركزي الإيراني من احتمالية وصوله إلى مئة وثمانين في المائة، وهو مستوى لم تشهده إيران حتى في أسوأ فترات الحروب والعقوبات السابقة. كما أن صندوق النقد الدولي يشير في تقاريره الأخيرة إلى أن الاقتصاد الإيراني مرشح للانكماش بنسبة تتجاوز ستة في المائة خلال العام الجاري، وهي نسبة تعكس عمق الركود الذي يجتاح مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية. وتضاف إلى ذلك الأضرار المباشرة وغير المباشرة للحرب، التي تقدرها الحكومة الإيرانية نفسها بنحو مئتين وسبعين مليار دولار، وهو رقم يعادل تقريباً نصف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في السنوات العادية. وتتناقل التقارير أخباراً عن اضطرابات في صرف رواتب الحرس الثوري، العمود الفقري للنظام، كما أن الريال الإيراني واصل مساره النزولي مسجلاً تراجعاً إضافياً بنسبة ثمانية في المائة منذ بدء الحرب، بعد أن كان قد فقد أكثر من ستين في المائة من قيمته في السنوات السابقة.
غير أن هذه الصورة القاتمة لا تروي القصة كاملة، فهناك جانب آخر من المشهد يشير إلى قدرة إيرانية على التكيف والصمود، وهي قدرة تطورت على مدار أربعة عقود من المواجهة مع الغرب. فالبيانات المستقلة الصادرة عن شركات تتبع السفن تكشف أن أربعاً وثلاثين ناقلة على الأقل مرتبطة بإيران عبرت مضيق هرمز منذ بدء الحصار الأمريكي في منتصف أبريل، أي بمعدل يزيد عن ناقلة يومياً. ومن بين هذه الناقلات، غادرت تسع عشرة سفينة الخليج العربي محملة بالبضائع، محملة بما يعادل نحو عشرة ملايين وسبعمئة ألف برميل من النفط الخام بقيمة تجاوزت تسعمئة وعشرة ملايين دولار. وهذا يعني أن إيران، رغم كل الضغوط، لا تزال قادرة على تسويق نفطها والالتفاف حول الحصار عبر آليات معقدة تشمل إخفاء مسارات السفن وإيقاف تشغيل أجهزة التعريف واستخدام وسطاء من دول ثالثة لا تخضع للعقوبات الأمريكية. وهذه الآليات ليست جديدة، بل هي ثمرة سنوات من الخبرة في فن اقتصاد المقاومة الذي طورته طهران لمواجهة العقوبات. ما تواجهه إيران اليوم هو أزمة حادة وليست انهياراً وشيكاً، وهي أسوأ أزمة تمر بها منذ حرب الثمانينات، لكن النظام لا يزال قائماً، والدولة لا تزال تؤدي وظائفها الأساسية، والجيش لا يزال منتشراً وفاعلاً. ومع ذلك، فإن استمرار هذه الأزمة لشهور أو سنوات إضافية قد يحولها تدريجياً من حادة إلى مزمنة ثم إلى وجودية، وهذا هو السؤال الحقيقي: كم من الوقت يمكن لإيران أن تتحمل قبل أن تتحول الأزمة الحادة إلى انهيار فعلي؟
ما يجعل أزمة مضيق هرمز اليوم مختلفة جذرياً عن سابقاتها في عقود سابقة هو أنها لم تعد مجرد حلقة في صراع إقليمي تقليدي بين إيران من جهة وأمريكا وحلفائها من جهة أخرى، بل تحولت هذه الأزمة إلى مرآة عاكسة لتحولات أعمق وأخطر في بنية النظام الدولي نفسه وآليات عمله. فمن جهة، تفرض البحرية الأمريكية، أقوى قوة بحرية في تاريخ البشرية، حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية وتعلن أنها ستمنع أي سفينة من الوصول إليها، ومن جهة أخرى تواصل الناقلات الإيرانية الإبحار وتخترق هذا الحصار بأكثر من ثلاثين مرة خلال أسابيع قليلة. ومن جهة، تلوح واشنطن بخشونة عسكرية وتنشر قوات المارينز والسفن الحربية في المنطقة، ومن جهة أخرى تعلن طهران نيتها فرض رسوم عبور دائمة على السفن المارة عبر المضيق وتدرس مشروع قانون في البرلمان يكرس السيادة الإيرانية على هذا الممر المائي الدولي، وهو تحدٍ صارخ ليس فقط لأمريكا بل لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ولأعراف الملاحة الدولية المستقرة منذ سبعينيات القرن الماضي. هذا المشهد المليء بالتناقضات ينتج شكلاً جديداً من الفوضى المدارة، حيث تتصارع الإرادات وتتنافس القوى ضمن مساحات غير محكومة بقواعد واضحة، وحيث تصبح إدارة عدم الاستقرار مهارة دبلوماسية وسياسية لا تقل أهمية عن مهارات صنع السلام التقليدية. واللافت أن هذه الفوضى لم تأتِ كنتيجة عارضة أو ثانوية للصراع، بل بدأت تتحول إلى أداة تستخدمها بعض القوى لتحقيق أهدافها، وإلى بيئة خصبة تستثمر فيها قوى أخرى. فإيران نفسها تستخدم الفوضى كورقة ضغط لفرض شروطها، فهي تدرك أن إغلاق المضيق يسبب ألماً عالمياً، وهذا الألم هو مصدر قوتها التفاوضية. وبالمقابل، تستثمر الصين وروسيا في هذه الفوضى لتعزيز نفوذهما.
تجد روسيا في فوضى مضيق هرمز فرصة استراتيجية نادرة ومتعددة الأبعاد، تجمع بين المكاسب الاقتصادية المباشرة والتحسينات الجيوسياسية بعيدة المدى. فعلى المستوى الاقتصادي المباشر، يؤدي إغلاق المضيق أو حتى التهديد المستمر بإغلاقه إلى ارتفاع أسعار النفط والطاقة عالمياً، وهذا الارتفاع يترجم مباشرة إلى مليارات الدولارات الإضافية التي تتدفق إلى الخزائن الروسية. فروسيا، باعتبارها واحدة من أكبر ثلاث دول منتجة للنفط في العالم، تجني أرباحاً فورية من كل ارتفاع في سعر البرميل، وفي سياق الحرب المستمرة في أوكرانيا، حيث تعاني الميزانية الروسية من ضغوط هائلة بسبب الإنفاق العسكري والعقوبات الغربية، فإن كل دولار إضافي في سعر النفط هو بمثابة وقود إضافي لآلة الحرب. وإذا استمرت أزمة هرمز لعدة أشهر، فإن العائد الإضافي لموسكو قد يصل إلى عشرات المليارات، وهو مبلغ يمكن أن يغير مسار الحرب في أوكرانيا بشكل كبير. وعلى المستوى الجيوسياسي، يعمل تصعيد التوتر في الشرق الأوسط على تشتيت انتباه الإدارة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، فالولايات المتحدة التي كانت تركز جهودها ودبلوماسيتها ومواردها العسكرية على دعم أوكرانيا واحتواء روسيا، تجد نفسها مضطرة الآن لتحويل جزء كبير من انتباهها إلى الشرق الأوسط، والأمر نفسه ينطبق على بروكسل ولندن وباريس التي ترى أن أمن الطاقة الأوروبي مهدد بشكل مباشر من إغلاق هرمز. هذا التشتيت له عواقب عملية ملموسة، فشحنات الأسلحة الأمريكية إلى أوكرانيا قد تتأخر، والضغوط الدبلوماسية على موسكو قد تخف، واهتمام وسائل الإعلام العالمية قد يتحول من كييف إلى طهران، وفي حرب الاستنزاف التي تخوضها روسيا في أوكرانيا، فإن أي تخفيف للضغط الغربي هو بمثابة انتصار تكتيكي قيم. وعلى المستوى الدبلوماسي، تتيح الفوضى الإقليمية لموسكو تعزيز دورها كوسيط وقوة فاعلة لا غنى عنها، فروسيا تحافظ على علاقات وثيقة مع جميع أطراف الأزمة، فهي حليف مقرب من إيران ولها قنوات اتصال مفتوحة مع إسرائيل وتجري حواراً استراتيجياً مع دول الخليج وتحتفظ بعلاقات عمل مع الولايات المتحدة على الرغم من التوتر، وهذا الموقع الفريد يجعل من موسكو طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية للمنطقة. ويمكن القول بثقة إن فوضى هرمز تمثل، من منظور روسي، استثماراً جيوسياسياً منخفض التكلفة وعالي العائد، فهي تضعف الخصم الاستراتيجي وتشتت انتباهه، وتبقي على أسعار النفط مرتفعة دون أن تضطر موسكو إلى خفض إنتاجها أو تحمل تكاليف عسكرية إضافية، وتعزز النفوذ الروسي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
إذا كانت روسيا تركز على المكاسب التكتيكية قصيرة المدى من فوضى هرمز، فإن الصين تتبنى مقاربة مختلفة تماماً، ولكنها أكثر عمقاً وأطول أمداً وأكثر تأثيراً على المدى البعيد. فالصين، بعقليتها الاستراتيجية التي تقيس الزمن بالعقود وليس بالسنوات، تستثمر في الفوضى ليس فقط لتحقيق مكاسب فورية، بل لبناء نظام موازٍ يضعف الهيمنة الأمريكية ويرسخ مكانة بكين كقوة عظمى بديلة. فعلى المستوى الاقتصادي المباشر، تستفيد الصين من شراء النفط الإيراني بخصومات كبيرة تصل في بعض الصفقات إلى خمسة وعشرين في المائة عن السعر العالمي، وهذا الفارق في السعر يترجم إلى مليارات الدولارات التي توفرها الصين سنوياً على فاتورة الطاقة، وهي أموال يمكن إعادة استثمارها في التنمية الداخلية أو في مشاريع مبادرة الحزام والطريق. كما تستغل الشركات الصينية الفوضى لتصدير السلع إلى إيران بأسعار مضاعفة بسبب الحصار، حيث تصبح الصين أحد المصادر القليلة التي يمكن لإيران الشراء منها بسهولة نسبية. وبالإضافة إلى ذلك، تستغل الصين الفوضى لتعزيز بدائل الملاحة الآمنة عبر مشاريعها في إطار الحزام والطريق، مثل ممرات النقل البري والسكك الحديدية التي تربط آسيا بأوروبا عبر آسيا الوسطى، فتقدم نفسها كضامن للاستقرار التجاري في وجه الفوضى الأمريكية في الممرات المائية، وكحامٍ لسلاسل الإمداد العالمية في وقت تثبت فيه القوة البحرية الأمريكية عدم قدرتها على تأمينها بالكامل. وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن فوضى هرمز تتيح للصين اختبار حدود النظام الدولي القائم ومدى قدرته على حماية الممرات المائية الحيوية، فالصين باعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم تعتمد اعتماداً كبيراً على ممرات بحرية آمنة، وإذا أثبت النظام الحالي بقيادة أمريكا عجزه عن تأمين هذه الممرات، فإن ذلك يفتح الباب أمام الصين لتقديم بدائلها، سواء كانت عسكرية بوجود بحري صيني متزايد في المحيط الهندي، أو دبلوماسية عبر اتفاقيات ثنائية مع الدول الساحلية، أو اقتصادية عبر ممرات برية بديلة. كما تتيح الفوضى للصين فرصة ثمينة لإعادة تعريف مفهوم حرية الملاحة ذاته، فبدلاً من النموذج الأمريكي الذي يعني حرية غير مقيدة للسفن الحربية والتجارية على حد سواء، قد تتبنى الصين مفهوماً أكثر مرونة يراعي السيادات الوطنية ويقر حق الدول الساحلية في تنظيم المرور مقابل خدمات وتسهيلات. وعلى المستوى الدبلوماسي، تستغل الصين الفوضى لتقديم نفسها كقوة مسؤولة وراعية للاستقرار، في مقابل صورة أمريكا كقوة مزعزعة وعاجزة عن حل الأزمات، فبينما تركز واشنطن على التهديدات والعقوبات، تقدم بكين نفسها كصانعة سلام وميسرة للحوار. ومع كل يوم تستمر فيه الأزمة، تترسخ في الأذهان فكرة أن النظام القديم بقيادة أمريكا لم يعد قادراً على ضمان الأمن أو حماية المصالح، وأن البدائل التي تقدمها الصين تستحق التجربة، وهذه الفكرة هي الهدف الاستراتيجي الأسمى لبكين: ليس السيطرة على هرمز اليوم، بل تغيير التصورات العالمية حول من هو القائد القادر على إدارة العالم غداً.
ما نشهده اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل هو مؤشر واضح وقوي على تحول بنيوي عميق في طبيعة النظام الدولي وآليات عمله. فمنذ نهاية الحرب الباردة قبل ثلاثة عقود ونصف، اعتاد العالم على نموذج الهيمنة الأحادية أو ما يعرف باللحظة الأحادية القطبية، حيث كانت الولايات المتحدة قادرة بمفردها أو عبر حلفائها التقليديين على فرض قواعد اللعبة وضمان الامتثال لها، سواء عبر الإغراء الاقتصادي أو عبر التهديد العسكري المباشر. هذا النموذج استند إلى افتراضات واضحة: أولاً، أن القوة العسكرية الأمريكية لا تضاهى وأن أي تحدٍ لها محكوم بالفشل. ثانياً، أن المؤسسات الدولية تعمل كأدوات لتنفيذ الإرادة الأمريكية. ثالثاً، أن العولمة الاقتصادية ستجعل مصالح جميع الدول متقاربة ومتشابكة لدرجة تجعل الحرب بين الكبار مستحيلة تقريباً. أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً وهذه الافتراضات تهتز واحدة تلو الأخرى. فالافتراض الأول يهتز ليس لأن أحداً تحدى أمريكا عسكرياً بشكل مباشر، بل لأن القوة العسكرية أثبتت عدم قدرتها على تحقيق الأهداف السياسية في عالم معقد، فمع امتلاكها أقوى أسطول بحري في التاريخ، لا تستطيع أمريكا منع أربع وثلاثين ناقلة إيرانية من الإبحار، ومع امتلاكها أحدث الطائرات والصواريخ، لم تستطع تحقيق نصر حاسم في أفغانستان أو العراق أو أوكرانيا. والافتراض الثاني انهار بشكل أسرع، فمجلس الأمن الدولي الذي صُمم ليكون الحارس الأمين للسلم والأمن العالميين، عاجز تماماً عن إصدار قرار ملزم يحمي حرية الملاحة في هرمز، والصين وروسيا بقوة حق النقض قادرتان على شل أي تحرك جاد في المجلس. والافتراض الثالث أثبت أنه وهم خطير، فبدلاً من أن تؤدي العولمة إلى تقارب المصالح وتضاؤل احتمالات الحرب، أدت إلى زيادة نقاط الاشتباك والتنافس، واليوم نرى العالم ينقسم إلى كتل اقتصادية متباعدة: كتلة الغرب بقيادة أمريكا، وكتلة الصين وحلفائها، وكتلة عدم الانحياز الجديدة التي تضم دولاً تريد الاستفادة من الجميع دون الانحياز لأحد.
لكن هذا لا يعني أن النظام الدولي ينهار بالمعنى الدرامي للكلمة، فالانهيار التام يعني عودة العالم إلى حالة الكل ضد الكل الشبيهة بما قبل معاهدة وستفاليا في القرن السابع عشر، وهذا لم يحدث ولا يبدو أنه سيحدث قريباً. بدلاً من ذلك، ما نشهده هو إعادة تشكيل مؤلمة ومضطربة للنظام الدولي، يمكن وصفها بأنها انتقال من أحادية القطب المهيمنة إلى تعددية أقطاب فوضوية. فتعددية الأقطاب تعني أن هناك أكثر من قوة عظمى إلى جانب قوى إقليمية صاعدة، هذه الأقطاب تتنافس وتتحالف وتتصارع وفقاً لمصالحها المتغيرة دون أن يمتلك أي منها القدرة على فرض إرادته على الآخرين بشكل دائم. والفوضوية هنا لا تعني انهيار كل القواعد، بل تعني غياب قواعد واضحة ومتفق عليها لإدارة الصراع والتنافس، فالقواعد القديمة إما تم التخلي عنها أو أصبحت موضع خلاف وجدل، والقواعد الجديدة لم تولد بعد أو هي قيد التشكيل على الأرض من خلال الصراع والتفاوض وفرض الأمر الواقع. في هذا العالم الجديد، تصبح إدارة الفوضى مهارة دبلوماسية لا تقل أهمية عن مهارات صنع السلام التقليدية، فالدولة الذكية ليست بالضرورة تلك التي تستطيع إنهاء الصراعات، بل تلك التي تستطيع التعايش معها دون أن تحترق فيها، والتي تستطيع تحويل الفوضى من تهديد وجودي إلى فرصة استراتيجية. وهذا بالضبط ما تفعله الصين وروسيا اليوم في هرمز، إنهما لا تسعيان إلى إنهاء الفوضى بل إلى إدارتها لمصلحتهما، وإلى الاستفادة منها لإعادة تعريف القواعد بما يتناسب مع مصالحهما. وفي هذا السياق، فإن استمرار الأزمة لشهور أو سنوات إضافية ليس كارثة بالنسبة لهما، بل هو فرصة لترسيخ مكاسبهما وتوسيع نفوذهما. أما أمريكا، فتجلس على الطرف الآخر من المعادلة، فهي التي بنت النظام القديم وهي التي تريد استعادة الاستقرار وفقاً لقواعده القديمة، ولكنها تجد نفسها عاجزة عن ذلك، وتجد أن أدواتها التقليدية لم تعد تعمل كما كانت، وهي على عكس الصين وروسيا لم تتعلم بعد كيفية اللعب في عالم الفوضى المدارة، ولا تزال تتمسك بوهم إمكانية العودة إلى النظام القديم.
وبذلك نصل إلى حقيقة مفادها لا أحد يحقق نصراً نظيفاً في هذه اللعبة المعقدة، ولكن الخسائر موزعة بشكل غير متساوٍ للغاية. فإيران هي الخاسر الأكبر من حيث التكاليف المباشرة وغير المباشرة، فهي تنزف اقتصادياً وتدفع ثمناً باهظاً على المستوى المعيشي والتنموي، لكنها في المقابل تصمد وتستغل الفوضى كورقة ضغط وتبقي نظامها قائماً، والسؤال المعلق هو كم من الوقت يمكن أن تستمر في هذا المسار قبل أن تتحول الأزمة الحادة إلى انهيار فعلي. وأمريكا تخوض معركة غير متكافئة، فهي تنفق مليارات الدولارات وتنشر قواتها في المنطقة وتخاطر بعلاقاتها مع حلفائها، لكنها في المقابل تفشل في تحقيق أهدافها المعلنة وتُظهر للعالم حدود قدرتها على فرض الإرادة، وهي تفقد تدريجياً هالة التفوق التي كانت تحيط بها لعقود، وهذه الهالة بمجرد فقدانها يصعب استعادتها. وروسيا تجني مكاسب تكتيكية سريعة وملموسة، سواء من ارتفاع أسعار النفط أو من تشتيت الاهتمام الغربي عن أوكرانيا، لكنها في المقابل ترهن استقرار المنطقة الذي قد ينقلب عليها إذا خرجت الأمور عن السيطرة، وهي أيضاً تثبت للعالم أنها قوة فوضوية بالدرجة الأولى، قادرة على الاستفادة من الأزمات ولكن غير قادرة على بناء بديل مستقر. والصين تبني نظاماً موازياً ببطء ولكن بثبات، فهي تدرك أن المدى الطويل حليفها، وأن كل يوم تمر فيه الأزمة يقوض الهيبة الأمريكية ويعزز مكانتها كبديل جاد، لكنها في المقابل تتحمل تكلفة الارتهان لشريك غير مستقر هو إيران، وتخاطر بعلاقاتها مع دول الخليج التي لا تزال تنظر إلى الصين بحذر. أما المواطن العادي، في إيران أو مصر أو الهند أو أوروبا أو أمريكا نفسها، فهو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة بكل تأكيد، فهو من يدفع فواتير الطاقة المرتفعة وأسعار الغذاء المتزايدة وغلاء التأمين والشحن وعدم اليقين المستقر الذي يطارد قراراته اليومية الصغيرة والكبيرة، وهو الذي سيتحمل وطأة أي تصعيد عسكري، وهو الذي سيدفع الضرائب لإعادة الإعمار بعد أي حرب.
في النهاية، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي ضيق بين إيران وعمان، بل تحول إلى مختبر حي وميدان اختبار لولادة نظام عالمي جديد، أكثر فوضوية، أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر استعداداً لاستيعاب قوى جديدة على حساب القوى القديمة. وفي هذا المختبر، تُكتب قواعد القرن الحادي والعشرين ليس في قاعات الأمم المتحدة ولا في واشنطن، بل على متن ناقلات النفط التي تخترق الحصار، وفي مكاتب صناع القرار في بكين وموسكو، وفي حسابات التكلفة والفائدة التي تجريها كل عاصمة على حدة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك