الزركلي.. لم يترجم في كتابه إلا الموتى
خير الدين الزركلي (1893-1976م)، ذلك العلامة السوري الذي ولد في بيروت لأبٍ دمشقي عمل بالتجارة، لم يكن مجرد مؤرخ أو أديب، بل كان ثوريًا سياسيًا ودبلوماسيًا عابرا للحدود، عاش تحولات القرن العشرين بكل تفاصيلها العاصفة في العالم العربي.
في شبابه، انخرط في مقاومة الاستعمار الفرنسي بشراسة في سوريا، حيث أصدر جريدة "لسان العرب" بعد سقوط العثمانيين، ثم "المفيد" اليومية، مليئة بمقالات أدبية وسياسية تحرك الضمائر وتنتقد الحكمالعثماني، قبل أن يُحكم عليه بالإعدام ففر إلى فلسطين.
لم يتوقف عنده الأمر؛ فقد انتقل إلى الحجاز ليؤسس مؤسسات حديثة، ثم خدم أفياءً موالين للملك عبدالعزيز آل سعود وولده الأمير فيصل، وجمع بين الدبلوماسية والثقافة في اجتماعات عربية ودولية شكّلت تاريخ المنطقة.
كنوز "الأعلام": أعظم موسوعة تراجم عصرية
لكن قمّة إبداعه تكمن في "الأعلام"، تلك الموسوعة الخالدة التي قضى في صياغتها وإثرائها نحو 60 عامًا، لتصل تراجمها إلى نحو 15 ألف عَلَمٍ من الجاهلية حتى منتصف القرن العشرين (1395هـ)، رجالاً ونساءً من كل العصور والأديان والجنسيات.
ولأن الزركلي لا يترجم في كتابه إلا لمن مات...
"من جلالة كتاب الأعلام للزركلي في نفوس أهل عصره أن اللغوي الكبير الأمير مصطفى الشهابي تمنى أن يموت قبل انتهاء طبعه ليترجمه الزركلي فيه !"

وقد كان له ما تمنى، فمات قبل أن يتم الزركلي طباعة كتابه، وترجم له.
ليست مجرّد قائمة أسماء؛ بل تحفة فنية تجمع الدقّة التاريخية بالإيجاز الأدبي، حيث يبرز الزركلي ملامح كل عَلَم بأسلوب سلس يغوص في الأعماق: إنجازاته، أخلاقه، حتى عيوبه، مع إشارات إلى مصادر موثوقة تجعلها مرجعًا لا غنى عنه للباحثين والمؤرخين.

وصفها الشيخ محمد سليم العوا بـ"خير كتاب أُلّف في بابه، أثر باقٍ يُنتفع به"، فهي تفوق سابقتها في الشمول والدقّة، وتُنافس تراث القرون الوسطى.
حياة حافلة بين الشعر والنشر والجولات العالمية
شاعر مجيد (ديوانه صدر بعد وفاته عام 1980)، أسّس مطبعة "العربية" في القاهرة، ونشر نحو 10 مؤلّفات أخرى، منها قصائد قومية وطنية ألهبت الحماس في مصر والشام.
من ترجمة الزركلي لأحد فقهاء المدينة في القرن الثاني وكان فقيهاً موسيقاراً كما استهر عن أهل المدينة في ذلك الزمان من إباحة الموسيقى.
"كتابي هذا سيذكرُني الناسُ به ألفَ سنَة"
هذا ما قاله الأديب المؤرّخ "خَير الدّين الزِّرِكْلِي" حين طلب منه أحد أصهاره أنْ يَكتُب كتابا من الكتب الدارِجة، والتي يقرأُها الناس كل يوم...
فقال له: وهل تذكُر أسماء هؤلاء الذين يُلْقون كتبهم للناس كل يوم؟! ثم قال كلمته هذه .....
خاض الزركلي غمار الدبلوماسية و عمل مستشارًا، وحصل على الجنسية السعودية، ليصبح رمزًا عروبيًا يجمع بين سوريا والحجاز والقاهرة.
هذا الرجل لم يكن سطحيًا؛ كنوزه في "الأعلام" تنتظر من يغوص فيها لا يقرأ سطرًا عابرًا، فهي خريطة حيّة لتاريخنا الثقافي.
رحل عن دنيانا في بيروت 25 نوفمبر 1976، تاركًا إرثًا يُدرس ويُستخدم حتى اليوم في كل مكتبة عربية محترمة.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك