رؤية ذائقية لقصة " يد السيدة العجوز " للأديبة رانية المهدي
اختارت الأديبة رانية المهدي عنوانًا لقصتها " يد السيدة العجوز " لتضعنا منذ اللحظة الأولى أمام مفارقة دلالية ، يد تحمل الضعف بوصفها عجوزًا ، لكنها في المتن تبدو أكثر سيطرة وتوجيهًا. ومع الجملة الأفتتاحية : " منذ أن ولدت وأنا أحمل .." يتبدد أى احتمال لقراءة العنوان قراءة حرفية. لنكتشف أننا أمام رمز لبنية أعمق للوعي وتلازم الإنسان منذ نشأته .
فالعنوان هنا لا يصف كيانًا خارجيًا ، بل يشير إلى الإمتداد الزمني داخل الذات ، حيث يتجسد الخبرة والقدر في صورة " يد" تقود وتمنع.
فنحن أمام طبيعة تلازم الإنسان منذ ميلاده لا يختارها بقدر ما يتحرك في إطارها .
من هذا المنطلق تتحدد طبيعة العلاقة بين الراوي وهذه اليد ، فعندما يصف لحظات انسجامه معها، حيث تتحول إلى " أداة سحرية " لا يكمن فهم هذا التوافق بأعتباره اختيارًا حرًا ، بل بوصفه لحظة تطابق بين الإنسان وما كُتب عليه أن يكونه .
الإبداع لا يأتي كمكافأة على قرارٍ واعٍ ، بل كعلامة على السير في المسار الخاص ، كأن الذات لا تبتكر بقدر ما تنكشف لنفسها، فالتوافق هو حالة انسجام مع القدر.
اختيار اللوحات ليس تفسيرا عابرا بل إشارة إلى هوية الراوي بوصفه فنانًا تشكيليًا ، حيث تصبح اليد هى أداة الفن الأولى ووسيلته المباشرة في التعبير، فاليد لم تعد صورة للقدر الداخلي، بل صارت أداته.
عبارة " فنصنع معًا" تكشف شراكة خفية ، حيث لا ينتج الفنان عمله وحده ، لكن عبر تواصل صامت بين وعيه وما هو أعمق .
في المقابل ، تكتسب لحظات المنع دلالة مختلفة فعبارة " لا تسمح لي .. بحجة أنها لا تتوافق مع المنطق " فالمنطق هنا لا يُعد قانونًا بقدر ما يُقرأ كلغة ، فالمنع لا يُشير إلى قيد مفروض ، بل إلى كشف ، فما يُحرم منه الراوي ليس سلبًا ، بل انه لم يكن جزءًا منه.
لذا لا يعود السؤال الختامي " هى مصدر سعادة .. أم سجان " ، و لا عن إمكانية التحرر ، بل يتحول إلى سؤال وجودي أعمق: هل يستطيع الإنسان تقبل طبيعته، ام يظل في صراع دائم معها؟
فمعاناة الإنسان لا تنبع من القيود التي تحكمه ، بل من وعيه بها وعجزه عن تجاوزها.
تتجاوز " يد السيدة العجوز" كونها رمزًا للعقل أو للضمير ، لتصبح صورة مركبة للقدر الصامت الذي يصنع الإنسان ، يمنحه إمكانياته، انها القوة التي تمنحه القدرة على أن يكون ، و تمنعه في الوقت ذاته من ان يكون أى شىء آخر.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك