العقد الاجتماعي
في قاعة المحكمة، كان الهواء ثقيلا خانقا، وكأنه يمتص الأنفاس، ووجوه الحاضرين تترصده من كل زاوية. عيون تلمع بالحكم المسبق، بينما "ميرسو" يجلس في قفص الاتهام شاعرا لا بالذنب بل بالغربة. ينظر إلى هيئة المحكمة بعينين خاويتين لا تعكسان شيئا، والمدعي العام يشير إليه بإصبعه كأنما يطارد وحشا كاسرا، ليس لأنه قتل رجلا على الشاطئ بتلك الطريقة العبثية، التي لا تزال غامضة حتى عليه هو نفسه، بل لأنه لم يبكِ على نعش أمه. كان يفكر في تلك السيجارة التي أشعلها بجانب التابوت، في ذلك الفيلم الكوميدي الذي شاهده في اليوم التالي، في تلك اللامبالاة التي صارت دليل إدانته الأكبر. كان يفكر في أن المحكمة لا تحاكم قاتلا، بل تحاكم إنسانا تجرأ على أن يكون صادقا في عالم لا يغفر الصدق.
لم تكن الكلمات التي تقال حول جريمته تؤثر فيه كثيرا، تلك الرصاصات التي أطلقها على رجل، لا يعرف حتى اسمه، تحت شمس الجزائر الحارقة، بدت وكأنها حدث ثانوي، تفصيل هامشي في قصة أكبر وأكثر إثارة. يراقب المحامين والقضاة وكأنهم يمثلون مسرحية غامضة لا يفهم حبكتها، مسرحية هو ليس بطلا حقيقيا لها، بل مجرد دمية استُخدمت لكشف عورة جماعية. العيون التي تحدق فيه لا تبحث عن قاتل، بل تطارد شبحا لرجل لم يبكِ على أمه، لم يحزن طبقا للنص الموضوع مسبقا.
وفي تلك اللحظة بالذات، بين هيئة المحكمة المتعطشة للدماء الزائفة والرجل الذي لا يعرف كيف يتصنع الحزن، أطلق كامو تأمله الفلسفي "هل من المفترض أن نتبع قواعد المجتمع العاطفية حتى لو لم نشعر بها؟ هل التصنع جزء من العقد الاجتماعي الذي نوقعه بصمت حين نولد في هذا العالم؟"
"ميرسو"، ذلك الشخص الغريب الذي منحه كامو صوتا وروحا، هو في الحقيقة أكثر الشخصيات صدقا في الأدب العالمي. إنه لا يكذب، لا يتصنع، لا يقول شيئا لا يعنيه. حين سألوه إن كان يحب أمه، قال إنه يحبها مثل أي إنسان، لكن هذا لا يعني شيئا. حين سألوه عن سبب قتله للرجل العربي، قال إن الشمس كانت حارقة وعينيه تؤلمانه. هذه الإجابات التي تبدو بسيطة إلى حد السذاجة، هي في الحقيقة أكثر إجابات صادقة يمكن أن يقدمها إنسان.
لكن يبدو أن المجتمع لا يطلب منا أن نكون أخيارا بقدر ما يطلب منا أن نبدو كذلك. يطلب منا أن نؤدي دورنا بدقة في مسرحية الحياة، أن نضحك في المواقف المضحكة، وأن نبكي في المشاهد الحزينة، وأن نظهر التعاطف حتى لو كنا لا نشعر به.
هذا العقد العاطفي هو الذي يزين علاقاتنا ويمنحها شكل المقبولية، فنحن نتبادل التمثيليات الصغيرة كعملة للانتماء، ابتسامة مصطنعة هنا، وكلمة مواساة محفوظة هناك. "ميرسو"، ببروده، رفض أن يكون جزءا من هذه السوق العاطفية. لقد فضل الصمت على الكذب، والوحدة على الرياء. لم يكن يملك ما يقدمه للمجتمع سوى حقيقته العارية، وهذه الحقيقة كانت فظة ومخيفة، لأنها كشفت عن هشاشة الأسس التي بني عليها تعاطفنا. الصدق عند ميرسو هو جريمته الحقيقية، ليس القتل. القتل كان مجرد حادث، أما الصدق فكان خيارا أصيلا لا يغتفر.
المفارقة في رواية كامو أن "ميرسو" يُحكم عليه بالإعدام ليس لأنه قتل، بل لأنه لم يبدِ ندمه بالطريقة الصحيحة. المحكمة لا تهتم كثيرا بالرجل العربي الذي مات على الشاطئ، لا أحد يسأل عن اسمه أو قصته أو عائلته. الاهتمام كله منصب على "ميرسو" نفسه، على روحه، على مشاعره، على طريقة تناوله لفنجان القهوة بجانب التابوت. الرجل العربي، ذلك الضحية الحقيقية، يبقى بلا اسم وبلا وجه، مجرد "عربي" كما يسميه الكتاب. هنا يتراقص السؤال في ذروته، إذا كان المجتمع لا يهتم بالضحية الحقيقية بقدر ما يهتم بتمثيل الجلاد للمشاعر الصحيحة، فما قيمة هذه المشاعر أصلا؟ وإذا كان الحزن على الموتى مجرد أداء، فما قيمة المشاعر الحقيقية الأخرى؟ وإذا كان البكاء على قبر أم إلزاميا، فأي جزء من عواطفنا هو حقيقي وأيها مجرد تلبية لتوقعات الآخرين؟
لكن هل يمكن لإنسان أن يعيش خارج هذه المسرحية الكبرى؟ هل يمكن أن يكون صادقا في مجتمع يقوم على التصنع؟ "ميرسو" حاول ذلك، ودفع حياته ثمنا. في السجن، حيث لا جمهور ولا رقابة، بدأ "ميرسو"، أخيرا، في فهم نفسه والعالم. رفض رؤية القسيس الذي يحاول أن يعيده إلى حظيرة المشاعر الصحيحة، رفض التوبة المزيفة التي قد تنقذ حياته، فضل الموت على أن يكذب ثانية.
في ليلته الأخيرة، يدرك أن الكون لا يهتم به كما لا يهتم بأي شيء، وهذا الإدراك حرره. يموت "ميرسو" سعيدا، كما يقول كامو، لأنه ظل صادقا حتى النهاية، لأنه رفض أن يلعب لعبة المجتمع التي لا تؤمن بها روحه.
هذا يطرح علينا، نحن الذين نعيش في هذا العالم، سؤالا هاما، كم مرة في يومنا نتصنع مشاعر لا نشعر بها؟ كم مرة نبتسم لشخص لا نحبه، ونبكي على حدث لا يهمنا، ونبدي حزنا على فراق لا يعنينا؟ هذا التصنع ليس مجرد خداع صغير، بل هو عملة المجتمع التي يتعامل بها، لغة لا يستطيع أحد العيش بدونها. من لا يتقن هذه اللغة يُستبعد، يُعاقب، يُتهم بالمرض النفسي أو القسوة أو حتى الخطورة على المجتمع. "ميرسو" في المحكمة لم يكن مجرد متهم بالقتل، بل كان متهما بجريمة أكبر، جريمة الصدق في زمن الكذب الجماعي.
لكن هل هذا يعني أن كل عاطفة نعبر عنها هي زائفة؟ ليس بالضرورة. الفرق بين "ميرسو" ومن حوله ليس أنهم جميعا كاذبون وهو صادق، بل أنهم يخلطون بين الشعور الحقيقي والتمثيل الاجتماعي، بينما هو يرفض أن يمثل. في الجنازة، لم يكن "ميرسو" عديم المشاعر تجاه أمه، بل كانت مشاعره مختلفة عن تلك التي يتوقعها المجتمع. لم يكن حزنه أسودا قاتما كما ينبغي، كان حزنا عاديا، حزنا يسمح له بشرب القهوة وتدخين سيجارة. المجتمع لا يقبل هذا التنوع في المشاعر، يريد الحزن موحدا. "ميرسو" يعاقب لأنه حزن بطريقته الخاصة، لأنه كان أصيلا في عالم يقدس التقليد.
ربما يكون السؤال الأعمق الذي تطرحه الرواية هو، إذا كان المجتمع يحاكمنا على مشاعرنا لا على أفعالنا، فما قيمة الحرية؟ المجتمع يريد أن يمتلك حتى أعماقنا، يريد أن يقرر لنا كيف نحب وكيف نحزن وكيف نندم. التصنع ليس خيارا، بل هو إكراه، شرط للبقاء، ثمن ندفعه مقابل قبولنا في نادي البشر. من يرفض دفعه، يجد نفسه وحيدا منبوذا مُعاقبا على الخروج عن النص العاطفي المقدس.
في النهاية، حين نغلق كتاب "الغريب" وننظر حولنا، نرى "ميرسو" في كل مكان. نراه في ذلك الرجل الذي لم يبك في جنازة قريبه، في تلك المرأة التي لم تندم على علاقة فاشلة بالشكل المطلوب، في ذلك الطفل الذي لا يظهر الحماسة الكافية في المناسبات العائلية. كل هؤلاء هم "ميرسو"، كل هؤلاء يدفعون ثمن صدقهم في عالم لا يرحم الصادقين. لكن "ميرسو" كامو، يذكرنا بأن هناك ثمنا آخر قد يكون أكبر، ثمن الكذب على الذات، ثمن العيش في قناع دائم، ثمن فقدان الاتصال بحقيقتنا. بين هذين الثمنين، بين الموت من أجل الصدق والحياة من أجل الكذب، يقف كل إنسان ليسأل نفسه، هل يستحق الأمر أن أكون صادقا في عالم لا يقدر الصدق؟ وهل يمكنني أن أتعايش مع نفسي إن تخليت عن صدقي، لأرضي من لا يستحقون سوى الأقنعة؟
هنا يكمن الصراع الداخلي الذي نعيشه جميعا في صمت. صراع بين الصدق مع النفس والرغبة الجارفة في الانتماء. بين أن تكون نفسك وتواجه النبذ، أو أن ترتدي الأقنعة وتكسب القبول. "ميرسو" اختار الطريق الأكثر وعورة، طريق الصدق مع الذات حتى لو أدى به إلى حافة الهاوية. لقد رأى في دموع المحلفين الزائفة ونوبات غضب المدعي العام المفتعلة نفاقا لا يقل عن جريمته هو، بل ربما يكون أخطر، لأنه يخفي الحقيقة تحت طبقات من التمثيل. لم يغفر له المجتمع جريمته لأنه لم يقدم له تلك الركعة من الندم التي كان من الممكن أن تنقذه. لقد ظل غريبا حتى في لحظة إدانته، رافضا أن يلعب لعبتهم، متمسكا بتلك اللامبالاة التي كانت في النهاية شكلا من أشكال التمرد، الشكل الوحيد المتاح له.
#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك