ثنائية الأسود والحملان في دوري الأبطال.. حين تكشف أوروبا هشاشة البريميرليغ
حجة جوناثان ويلسون في "الغارديان": لماذا يخسر الإنجليز دوري الأبطال قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية؟
الانحناءة الأوروبية لعرش الثروة
ثمة فارق جوهري بين أن تملك المال وأن تملك الحكمة. وهو الفارق الذي باتت الأندية الإنجليزية تدفع ثمنه كل عام على مسرح دوري أبطال أوروبا. فعلى الرغم من أن الدوري الإنجليزي الممتاز يُعدّ اليوم الأغنى والأكثر تنافسية بين دوريات القارة العجوز، فإن هذه التنافسية بالذات تحمل في أحشائها بذور الهزيمة الأوروبية.
هذه هي الفكرة المحورية التي يطرحها الصحفي المخضرم جوناثان ويلسون في أحدث مقالاته بصحيفة "الغارديان" البريطانية، إذ يضع يده بجرأة على الجرح المزمن:
البريميرليغ نعمة محلية، لكنه كارثة أوروبية.
الإرهاق المُقنَّع بالثراء
يبني ويلسون حجته على معطى بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته: الأندية الإنجليزية لا تبدأ مواسمها في دوري الأبطال ضعيفةً، بل العكس تماماً؛ فقد تأهل أرسنال وليفربول وتوتنهام وتشيلسي ومانشستر سيتي جميعاً إلى دور الـ16 مباشرةً من المرحلة التمهيدية، متجاوزين مرحلة الملحق الإقصائي تماماً. بداية قوية، نعم. لكن المشكلة في ما يليها.
فمع تراكم أعباء الموسم، بدأ الإنجليز في الترنح. وقد وصف ويلسون أندية البريميرليغ بأنها باتت تلعب دور "الحملان المرهقة" في مواجهة ناديين يتعاملان مع دوري الأبطال بوصفه هدفاً وجودياً لا واجباً روتينيا: باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ.
فلسفتان وصرخة واحدة: نريد اللقب
ما يُميّز الناديين الفرنسي والألماني في رأي ويلسون ليس فقط المهارة، بل الوضوح الفلسفي الذي يحكم كل قراراتهما.
باريس سان جيرمان خاض في عهد لويس إنريكي تحولاً جذرياً بعد رحيل كيليان مبابي. فبدلاً من الاتكاء على نجم واحد يحمل المسؤولية وحده، بنى الإسباني منظومة جماعية متكاملة تقوم على الضغط العالي وإعادة الاستحواذ الفوري، ممزوجة بمهارة فردية موزعة بين كفاراتسخيليا وديمبيلي وباركولا وجواو نيفيز.
يقول إنريكي نفسه إن الجميع، دون استثناء، يشاركون في بناء الهجوم وإعادة التنظيم الدفاعي، في منظومة تقوم على تحريك مستمر وخداع تكتيكي لا يتوقف.
أما بايرن ميونخ تحت قيادة فينسنت كومباني، فقد اختار مساراً مختلفاً: العودة إلى الجذور. بنى المدرب البلجيكي آلةً هجومية لا تعرف الرحمة، أقرب ما تكون إلى فريق بايرن الذهبي في ماضيه المجيد، وحقق الفريق انطلاقة تاريخية بـ15 انتصاراً متتالياً في بداية الموسم، متجاوزاً رقم ميلان القياسي الذي ظل صامداً منذ 1992.والثلاثي الهجومي كين وأوليسي ولويس دياز يُجسّد هذا الفكر بقدر مذهل من الكفاءة.
ليلة باريس.. حين اصطدم النهجان
أعطت مباراة "حديقة الأمراء" في نوفمبر 2025 نموذجاً واضحاً لما يتحدث عنه ويلسون. سجّل لويس دياز هدفين في الشوط الأول ليقود بايرن في عرض هجومي مبهر، قبل أن يُطرد في الوقت بدل الضائع، فتحول المباراة إلى اختبار من نوع آخر: صمود المدافع بعشرة لاعبين أمام أعتى هجمات أوروبا. لم يخسر البافاريون. صمدوا وفازوا 2-1. وهو ما وصفه كومباني بعدها بـ"الروح والمشاعر".
دوري يأكل أصحابه
السبب الجوهري خلف هذا النمط المتكرر يتجاوز التكتيك، ليصل إلى بنية الدوري الإنجليزي نفسه. فالبريميرليغ لم يعد مجرد دوري تنافسي؛ بل أصبح ماراثوناً شاقاً يمتص طاقة اللاعبين حتى آخر قطرة.
وتتجلى مفارقة عجيبة هنا: جميع الأندية الإنجليزية الكبرى تمتلك الموارد المالية الضخمة التي تجعلها قادرة على الاستثمار، لكن هذه الثروة الموزعة بالتساوي هي ذاتها ما يجعل كل مباراة محلية معركة استنزاف حقيقية.
ولعل من أبلغ المفارقات أن توتنهام هوتسبير، الذي يقبع في المركز الـ14 في الدوري المحلي، تمكن من إنهاء المرحلة التمهيدية متجاوزا فريق باريس سان جيرمان نفسه بـ17 نقطة، إلا أن هذا الاستثناء لا ينفي القاعدة؛ فهشاشة الأداء الأوروبي للأندية الإنجليزية في الأدوار الإقصائية تبقى نمطاً متكرراً يصعب إنكاره.
الخلاصة: ليست مشكلة تمويل، بل مشكلة فلسفة
يخلص ويلسون إلى أن المعضلة الإنجليزية ليست في غياب النجوم أو شُح الميزانيات، بل في غياب الوضوح الفكري الكافي لبناء هوية أوروبية مستقلة عن ماراثون الدوري المحلي. بينما يملك كل من باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ إجابة واضحة على السؤال الأكبر: "لماذا نلعب في أوروبا؟"، تجد الأندية الإنجليزية نفسها تدخل الأدوار الإقصائية وهي تحمل ثقل موسم طويل وأرجل متعبة، في مواجهة أسود تعرف تماماً أين تريد أن تصل.#نقاش_دوت_نت

التعليقات
أضف تعليقك